الاموي_حوار_Raoudnews_mostafa_raoud.jpeg نوبير الأموي يتحدث

ذاكرة إعلامية.. نوبير الأموي يتحدث عن تأسيس CDT وقضية التطبيع مع إسرائيل.

أجرى الحوار:  المصطفى روض 

نواصل نشر المزيد من حوارات الداكرة الإعلامية المرتبطة بتجربة نشاطنا الإعلامي الطويل سواء في المغرب او في المشرق العربي.

و اليوم نختار لقارئ مدونة روض نيوز حوارا مع الراحل السي محمد نوبير الأموي سبق نشره في مجلة “الحرية” الفلسطينية  يتحدث فيه عن تجربة الكنفيدرالية الديمقراطية للشغل و على القضية الفلسطينية.

الصراع الطبقي في المغرب حالة متميزة و متقدمة على ما هو عليه في باقي البلدان العربية. و عند الحديث عن الطبقة العاملة المغربية لا بد من التوقف أمام دور الكنفدرالية الديمقراطية للشغل، إذ منذ تأسيس هذه المنظمة النقابية سنة 1978 تمكنت من الاضطلاع بدور هام في كفاح الطبقة العاملة المغربية ضد كل أشكال الاستغلال الممارس عليها و ضد كل السياسات الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية المجحفة التي على أساسها تسترشد الحكومة المغربية بنصائح صندوق النقد الدولي و و توجيهاته التي زادت من تفاقم الأوضاع المزرية اقتصاديا و اجتماعيا في المغرب.

تأسيس الكنفدرالية شكلت انعطافة نوعية في المسار النضالي للطبقة العاملة المغربية، فما هي الأسباب التي دفعت مجموعة من رفاق الشهيدين المهدي بن بركة و عمر بنجلون لتأسيس الكنفدرالية؟

 في هذا الحوار الذي نشرته مجلة “الحرية” الفلسطينية بداية عام 1987 يجيب المناضل نوبير الأموي على هذا التساؤل و يوضح العديد من الأمور النقابية العمالية و يتطرق لزيارة شمعون بيريز للمغرب و لحرب المخيمات في لبنان.

الحرية: عام 1978 تأسست الكنفيدرالية  الديمقراطية للشغل كتيار خرج على نهج الاتحاد المغربي للشغل و عن إطاره. و هذا التأسيس رافقه شعار تصحيح المسار النقابي والسياسي و النضالي للطبقة العاملة المغربية، فما هي خلفية التأسيس و المبادئ النقابية و السياسية التي قام عليها؟

نوبير الأموي:  لم يكن المؤتمر التأسيسي إلا إعلانا شكليا لواقع أصبح سائدا في صفوف الحركة النقابية المغربية، إذ أن القيادة النقابية البيروقراطية لما يسمى الاتحاد المغربي للشغل كانت قد اختارت نهجا استسلاميا مع خصوم الطبقة العاملة المغربية منذ أوائل الستينات، و تحديدا منذ منتصف عام 1961 حين كان اليسار المغربي و في طليعته الطبقة العاملة يخوض صراعا ضاريا ضد البورجوازية الهجينة و بقايا الاستعمار من أجل استكمال تحرير الاقتصاد و دمقرطة المجتمع المغربي و ربط كفاح الجماهير المغربية بحركة التحرر العربية و العالمية. و تمثل هذا الاستسلام في فك ارتباط الحركة النقابية المغربية بحركة التحرر الوطني ببلادنا كشرط أساسي للإبقاء على المصالح التي اكتسبتها القيادة النقابية، كان التعامل في أول الأمر مقنعا و خافيا، و لكن سرعان ما انكشف الأمر للجميع و بالخصوص لأوسع الجماهير العمالية التي واجهت بشجاعة 

و وعي الشعارات التي أطلقتها القيادة النقابية لحصر الحركة النقابية في النضال من أجل الخبز فقط و إبعادها عن العمل السياسي و تهميشها في الحياة الاجتماعية و إبقائها بعيدة عن خوض الصراعات السياسية؟

قمع عام 1963 أخر ولادة الكنفدرالية

كانت المؤشرات الأولى تبدو عقب حركة الإضرابات التي عمل الجهاز البيروقراطي على إجهاضها في حزيران و كانون الثاني عام 1961، و توج ذلك بالشعارات التي عملت القيادة على تمريرها في المؤتمر الثالث الذي انعقد في كانون الثاني من عام 1963 بالدار البيضاء حيث كان التقرير و التوجيه العام يؤكدان على أن المنظمة النقابية مستقلة إيديولوجيا و سياسيا و تنظيميا عن كل الأحزاب.

الانتفاضة_الفسطينية_Raoudnews_mostafa_raou

الانتفاضة_الفسطينية_Raoudnews_mostafa_raou

و من أجل تمرير المسألة لجأت القيادة النقابية إلى تعليق مبدأ الديمقراطية الداخلية، و في هذا الإطار ووجه النقابيون الطلائعيون بحملة إرهاب قصد منها حرمانهم من حضور المؤتمر حيث اعتمد مبدأ اختيار المندوبين من القيادة بدلا من انتخابهم، و الذين استطاعوا عبر ضبط القاعة حضور المؤتمر تم منعهم من المشاركة فيه، و نذكر أن في مقدمة هؤلاء كان الشهيد عمر بنجلون الشيء الذي دفع البريديون  للانسحاب احتجاجا، و إثر ذلك فتح النقاش واسعا حول توجهات المنظمة النقابية و سرعان ما اتبعه صراع داخلي قوي في مختلف الفيدراليات و الفروع و كاد ميزان القوى أن يتغير لصالح النقابيين الملتزمين بمبادئ انتفاضة 20 مارس 1955،

و لكن صيف عام 1963 شهد ضربة واسعة للحزب الذي كان يقود آنذاك حركة المعارضة اليسارية و هو الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، و شمل القمع العديد من الأطر النقابية، و مع ذلك تواصل الصراع في ظروف صعبة داخل المنظمة النقابية رغم الظروف الاستثنائية التي كانت تعيشها البلاد آنذاك. و رغم الشلل الذي أصاب النشاط السياسي و النقابي تواصلت انتفاضات عديدة في الكثير من الفروع لتتوج فيما بعد بانسحاب العديد من القطاعات على رأسها رجال التعليم، و نبدأ بحركة تصحيح قطاع تلو القطاع. و لكن  القمع الطبقي كان بالمرصاد لهذه التغيرات حيث شهد كل عام موجة من القمع ذهب ضحيتها العديد من المناضلين التقدميين و كذلك  العديد من المناضلين النقابيين في عام 1978، و بحكم المتغيرات التي عرفتها الوضعية الداخلية للبلاد و الهامش الديمقراطي الذي كرس، استطعنا أن ننطلق من جديد فتأسست ثماني نقابات في أهم القطاعات لتعلن عن تأسيس الكنفدراية الديمقراطية للشغل.

أما عن المبادئ التي قامت عليها الكونفدرالية يمكن القول إن أهمها تحقيق وحدة الطبقة العاملة، و من هنا فهي نقابة وحدوية و على أساس ترسيخ الديمقراطية، كما أنها قامت على أساس البعد القومي كفصيل من فصائل حركة التحرر الوطني العربية. لقد فرضت منظمتنا حضورها خصوصا في العديد من المناسبات بجانب قوى التحرر العربي، و هي منظمة جماهيرية و مفتوحة لجميع فضائل الشغيلة المغربية على اختلاف توجهاتها السياسية و الإيديولوجية، و قامت على مبدأ أساسي و جوهري و هو الارتباط بحركة التحرر الوطني و الاستقلال الإيديولوجي و التنظيمي عن كافة الأحزاب و التنظيمات السياسية.

الحرية: ذكرت ضمن المبادئ التي قامت عليها منظمتكم النقابية منذ انطلاق النضال لتحقيق وحدة الطبقة العاملة المغربية، و نعرف جيدا منذ تأسيس الكنفدرالية إلى يومنا هذا أن الوحدة العمالية مستهدفة بسبب التعدد النقابي الناجم عن التعدد السياسي الحزبي، و لحد الآن لم تتحقق هذه الوحدة لأن تحققها على الأرض رهين بالأداة و الأجهزة النقابية المنقسمة على نفسها، و من خلال ذلك وحده يمكن تحقيق الوحدة العمالية، فأي رأي تحملونه عن هذه المسألة ؟

نوبير الاموي:  إن مفهوم الوحدة نسبي، و الوحدة ليست بالأساس وحدة التنظيم، و لكن لا بد أن تكون وحدة الموقف و وحدة النهج و الاختيار، و حتى حيثما تكون منظمة واحدة  فغالبا ما تكون الوحدة مفترى عليها، إنها قسرية بحيث ما من مجتمع  حيثما يوجد حزب واحد و نقابة واحدة فبالتأكيد هناك تيارات داخل هذا الحزب أو تلك النقابة، الشيء الذي يشكل تعددية داخلية.

و في شروط بلادنا حيث هناك تعددية سياسية لم تكن في يوم من الأيام مع التعددية النقابية لسبب بسيط، و هو أننا نعتبر وحدة الطبقة العاملة شرط أساسي لخوض الصراع الطبقي مع خصومها و لتتويج هذا الصراع بانتصار حقيقي، فالوحدة العمالية بالنسبة لنا تبقى هدفا و مبتغى و سلاحا. و الذين كانوا وراء التعددية هم من خلق و دعم النقابات الطفيلية، و هؤلاء هم، أيضا، مسؤولون نقابيون لم يستوعبوا التحولات التي عرفها مجتمعنا، و انبطحوا أمام الإغراءات و الامتيازات في بعض الأحيان بالتهديد بمصادرة امتيازاتهم، فأداروا ظهورهم للطبقة العاملة،

رغم ذلك حرصنا على تصحيح وضعنا من خلال الصراع الداخلي، و لكن تبين لنا فيما بعد أن اختيارهم كان حاسما على المستوى الإيديولوجي و السياسي و على المستوى الاقتصادي و الاجتماعي، فقد تحول الكثيرون منهم إلى أرباب عمل و إلى مجموعة من الأغنياء و المضاربين و الأثرياء، و هم لا يمتون بصلة إلى واقع الطبقة العاملة الشيء الذي جعلنا نقود حركة التصحيح من خارج الاتحاد المغربي للشغل. و مع ذلك، فليست التعددية جريمة، إنها لا تخلو من بعض الايجابيات. الواقع الأوروبي يشهد، الآن، توجهات سياسية و إيديولوجية تسود الطبقة العاملة و بالتالي فلليسار نقابته كما لليمين نقابته التي تروج لإيديولوجيته و لسياسته،

و رغم أن هنالك اختلاف عميق، فهم يلتقون حول برنامج للكفاح المشترك، و الأمثلة كثيرة من فرنسا و إسبانيا و البرتغال و العديد من الدول التي تعرف حياة نقابية متعددة و نشطة. بالنسبة لنا، أقول، رغم أننا كنا مضطرين كي نتجاوز واقعا أصبح سائدا، واقع التفتت و التمزق الفعلي للطبقة العاملة و الشلل و الجمود، فإننا لا نلغي من حسابنا واقع هذه النقابات الأخرى الشيء الذي جعلنا نناشدها في كل مناسبة لاتخاذ مواقف موحدة، و سيبقى نضالنا مستمرا من أجل بناء التنظيم الوحيد. 

ما نطرحه نحن هو وحدة فعلية تشارك فيها القواعد العمالية على مستوى الممارسة اليومية، و لنا العديد من المناضلين من المؤسسات يمارسون نشاطات في بعض النقابات الأخرى حفاظا على وحدة صفهم داخل المؤسسة و داخل القطاع و من أجل تفويت الفرصة على أرباب العمل  و على بعض الإدارات التي تلعب على التعددية النقابية في القطاع أو المؤسسة،

و في مناسبات كثيرة طرحنا برنامجا من أجل اتخاذ موقف موحد تجاه الزيادات في الأسعار أو تجاه بعض الهجمات الطبقية على مكتسبات الطبقة العاملة، لكن موقف بعض النقابات كان سلبيا علما أن هناك نقابات أخرى تتجاوب مع هذا الطرح و نأمل في المستقبل أن يرتقي هذا الانسجام في الموقف إلى تعاون حقيقي من أجل وحدة برنامج نضالي كما تطرح ذلك قواعدنا لمواجهة الوضعية الاجتماعية و الاقتصادية المتردية للطبقة العاملة المغربية.

اتهامنا بالتبعية ليس غريبا عنا

الحرية:  لقد كنتم دائما تؤاخذون على الاتحاد المغربي للشغل تبعيته للحكومة. و هناك من يقول أن الاتحاد المغربي للشغل إذا كان تابعا سواء للحكومة أو للاتحاد الوطني للقوات الشعبية، فإن الكنفدرالية  الديمقراطية للشغل تابعة للإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية. فماذا تقولونه في هذا الصدد؟

نوبير الاموي: إن هذا غير صحيح على الإطلاق! الكنفدرالية تنظيم نقابي مستقل في قراراته و مواقفه و ممارساته، و هذا شيء يعلمه الجميع. نعم، إن الكثير من الأطر المناضلة داخل الإتحاد الإشتراكي هي التي قادت حركة التصحيح. و هذا شيء طبيعي بحكم أن هذا الحزب هو أهم حزب في الساحة المغربية، يجسد قوى اليسار و يقود حركة المعارضة، و ذلك ليس بجريمة و لكن الذين يتعمدون مغالطة الرأي العام، أو جزء من الرأي العام الداخلي، هم خصوم الطبقة العاملة، فقديما كانت الحركة النقابية متهمة حتى في أوج نقائها (الستينات) بهيمنة الحزب عليها،

و كان بعض الرفاق يطرحون آنذاك بأـن الحركة النقابية يجب أن تستقل، و كان مفهوم الاستقلال أن يفك ارتباطها عن كل اليسار و بالضبط الحزب المعارض آنذاك. و الآن، يحاولون إلصاق هذه الحكايات بالكنفدرالية الديمقراطية للشغل، و هم بذلك يرددون ما قاله وزير الداخلية المغربي في العديد من المناسبات، بان هذه النقابة تابعة للاتحاد الاشتراكي حتى يدفع ببعض التناقضات إلى العصف.. حيث لا تكره الدولة، أن يكون لكل حزب نقابته.

لكن الطبقة العاملة المغربية تعي جيدا، و هي تعيش حياة نقابية واعدة، أن قراراتها و مواقفها سواء على مستوى المؤسسة أو القطاع، على المستوى المحلي أو الوطني، أنها مستقلة في هذا القرار، و نحن، في نفس الوقت، لا نخفي ارتباطنا، ليس مع الإتحاد الاشتراكي فحسب، و إنما مع كل قوى التحرر في بلدنا حيث تتواجد كل التيارات العمالية المنخرطة في تنظيمات اليسار ببلادنا، و قراءة لمسيرة الكنفدرالية و لمواقفها تبين ما إذا كانت هذه النقابة محتواة من أي جهة كانت أم مستقلة.

الحرية: نعلم أن ثمة قوة يسارية كانت في السابق، و ما زالت إلى يومنا هذا، لم تشاطركم الرأي نهائيا لا في التأسيس و لا في خروجكم من إطار الاتحاد المغربي للشغل، فمنا هي القوى اليسارية الأخرى التي تناضل معكم داخل الكنفدرالية الديمقراطية للشغل؟

نوبير الأموي:  لقد تفرق اليسار و أصبح قوى متعددة. بالنسبة لرفاقنا في حزب التقدم و الاشتراكية و رغم مشاطرتنا لهم الكثير من المواقف و التوجهات، فنحن نسجل عليهم تحفظهم على تأسيس مركزيتنا النقابية، سواء قبل الإعلان عن هذا التأسيس أو فيما بعد. و هم يعتبرون تأسيس الكنفدرالية عملا انشقاقيا رغم أنهم يعلنون إدانتهم للممارسات البيروقراطية و الانتهازية التي تسود داخل الاتحاد المغربي للشغل. و نسجل، أيضا، التحول الحاصل في موقفهم حيث يعتبرون، الآن، أن التعددية النقابية واقع لا مجال لإنكاره أو إلغائه و بأن الكنفدرالية تحظى بتمثيلية واسعة و بمصداقية مواقفها و سلامة خطها النقابي و النضالي.

في العديد من اللقاءات سواء مع الديوان السياسي لحزب التقدم و الاشتراكية أو مع قواعدهم، نجدهم متشبثون بوحدة الطبقة العاملة على المستوى التنظيمي و يعترفون صراحة بظاهرة الانحراف و التفسخ في خط الاتحاد المغربي للشغل و عاجزون، في نفس الوقت، عن تصحيح المسار الذي سارت عليه هذه النقابة.

هناك فصيل يساري آخر كان يمارس نشاطه في ظروف استثنائية واجه في البداية  تأسيس الكنفدرالية بتحفظ، لكنه سرعان ما انحاز انحيازا مطلقا بعد أن تجلى موقف مركزيتنا من القضايا الوطنية  و انخراطه في صراع ضار مع قوى الاستغلال، و هذا الفصيل هو منظمة العمل الديمقراطي الشعبي التي انحازت بالمطلق لمركزيتنا و يتحمل مناضلوها مسؤوليات ، أيضا، داخلها. و هناك فصائل أخرى من اليسار متواجدة داخل تنظيماتنا النقابية و لقد عكس المؤتمر الثاني الذي انعقد في نهاية نونمبر هذا الواقع الذي يغني الحياة النقابية و يقوي أطروحاتنا السياسية و الإيديولوجية و يدعم صراعنا الطبقي مع خصومنا.

قوتنا ازدادت بعد كل حملة مواجهة ضدنا

الحرية: منذ 20 يونيو 1981 في الإضراب الوطني الذي شهده المغرب آنذاك، و الذي على إثره تعرضتم للاعتقال بجانب رفاقكم في المكتب التنفيذي، و إلى يومنا هذا و الكنفدرالية تواجه مصاعب كثيرة على مستوى استنهاض الموقف الطبقي، كما كان عليه سابقا، في مواجهة الطبقات الاستغلالية في المغرب، فما هي بالضبط هذه المصاعب التي تواجهكم اليوم؟

نوبير الأموي:  كان طموحنا، منذ انطلاقة حركة التصحيح، بأن نعود إلى الوضع السابق الذي كان سائدا في بداية الستينات حيث كانت الطبقة العاملة هي رأس الرمح في الصراع الاجتماعي و الاقتصادي و السياسي في بلادنا و الذراع القوي لحركة التحرر فيها، و لكن الواقع المغربي شهد تحولات عميقة اكتشفنا  معها فيما بعد أن العودة إلى وضع الستينات و نهاية الخمسينات كان وهما و هو شبه مستحيل. لقد اختل ميزان القوة بشكل كبير لصالح اليمين و البورجوازية التي لم تكن لها أسنان، أصبحت لديها أسنان و أنياب و استولت على وسائل الإنتاج و تمتلك ثروة هائلة و أصبحت شريكا أساسيا للسلطة في البلاد. اليسار عرف شرخا قويا و لم يعد هناك حزب واحد، بل مجموعة أحزاب و العديد من التيارات و التنظيمات، مع ذلك، يبقى هذا المطمح قابل للتحقيق و إن لم يكن واردا في الأمد المنظور،

لقد كان الصراع السياسي بعد تدجين الحركة النقابية و فك ارتباطها مع قوى التحرر محصورا في كفاحات سياسية و كان تعبيرا عن واقع طبقات اجتماعية أكثر منه صراعا اجتماعيا ملموسا، إذ تمكن اليمين من شل كل الفعاليات النقابية، و منذ تأسيس الكنفدرالية اعتبرنا أن الصراع الطبقي لم يعد مقصورا على الواجهة السياسية بل أصبح، أيضا، مدعما بنضالات الطبقة العاملة على المستوى الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي الشيء الذي ساهم في تغيير موازين القوى و خلق مناخا جديدا في نهاية السبعينات و بداية الثمانينات.

و هذا ما تنبه له خصوم الطبقة العاملة و ما جعلهم يستشعرون مخاطر استمراره و تناميه مما حدا بهم لكي يرتكبوا العديد من الحماقات، فقاموا بهجمة أبريل عام 1979 ضد نضالات فصائل مهمة من الطبقة العاملة خاصة إخواننا رجال التعليم و الصحة و باقي القطاعات الاقتصادية من بترول و غاز و صناعة السكر..

و لأول مرة أصبح حق الإضراب مصادرا، بل و العمل النقابي المستقل و الهادف و المسؤول مستهدفا، مع ذلك، استطعنا أن نمتص الضربات العديدة التي وجهت لنا في العديد من القطاعات سنة  1979 لننهض من جديد و نواصل كفاحاتنا وصولا إلى الآن و مرورا بإضراب 20 جوان 1981 الذي كان إضرابا وطنيا عامأ، أحي في ذاكرتنا الإضراب الملغى في حزيران 1961، رغم حالة القمع التي عشناها و المتمثلة في اعتقال الآلاف من مناضلينا و طردهم من عملهم و حظر نشاط مركزيتنا حظرا فعليا و تم إغلاق مقراتنا.

إن إلغاء الكنفدرالية لن يكون بقرار، بل على العكس مما كان يهدف إليه خصومنا، أصبحت أكثر تجذرا و لو أن نشاطها أصبح لا يكتسي العلنية الذي كان يكتسيه قبل حزيران 1981. العمل النقابي دائما يواجه صعوبات، لكن الصعوبات التي يواجهها اليوم مضاعفة، فمن جهة، هناك واقع الأزمة الاقتصادية و الاجتماعية التي تخنق بلادنا بفعل هيمنة مراكز القوى الرأسمالية الدولية و توجيهات صندوق النقد الدولي الذي يستهدف تصفية العديد من المكتسبات الاجتماعية. و الحركة النقابية لم تعد في موقع يجعل قدرتها قوية على المساومة، إذ أن الملايين من اليد العاملة في حالة بطالة، مما يشكل احتياطيا قويا للرأسمال المحلي كي يواجه أي كفاح عمالي،

من جهة أخرى، هناك ظاهرة الجزر التي يشهدها الصراع الطبقي، فالنضال ألمطلبي لم يعد يمتلك نفس الأسلحة التي كان يمتلكها في ظروف مراحل سابقة. و ما هو مطروح اليوم، هو الارتقاء بالصراع إلى المستوى السياسي لأن الأزمة ليست اجتماعية و اقتصادية بقدر ما هي أزمة سياسية و أزمة غياب أو تغييب الديمقراطية في البلاد. فلتجاوز كل المصاعب الظرفية و المزمنة نعي جيدا أن كفاحنا لن يؤدي إلى انتزاع المزيد من المكاسب، إلا إذا داء في إطار إستراتيجية نضالية لكل قوى اليسار في المغرب. من هنا تأكيدنا المستمر و الملح على بلورة برنامج إنقاذ وطني تساهم فيه كل القوى الحية.

سنناهض دعوات المصالحة مع إسرائيل

الحرية: بأية آفاق إسترايجية أمريكية تأتي زيارة شمعون بيريز إلى المغرب؟

نوبير الأموي:  اعتبرنا في وقتها أنها محاولة لاختراق الصف العربي و محاولة لتوريط بلادنا في مسلسل التسويات الوهمية التي تحاول الامبريالية الأمريكية و الصهيونية العالمية أن توهم بها جزء من الأنظمة العربية و صولا إلى تمرير مخططها ألاحتلالي و التصفوي  للقضية الفلسطينية. قد تتساءلون ما هو موقف الكنفدرالية الديمقراطية للشغل عقب زيارة بيريز للمغرب؟ كان موقفنا متجاوبا مع جماهيرنا العربية و هو موقف منسجم مع مبادئنا حيث نرى أنه لا بديل عن الثورة الفلسطينية و أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي و الوحيد للشعب الفلسطيني.

كانت هناك الكثير من الملابسات، و سكوت ذهب بالبعض إلى حد التساؤل فيما إذا كانت بعض الفصائل على علم بالزيارة. فنحن نؤكد بأننا سنناهض كل المواقف التي تدعوا إلى المصالحة مع الكيان الصهيوني و ربط الجسور معه داخل بلادنا و على امتداد الساحة العربية. لن نكون بديلا عن الثورة الفلسطينية و نعتبر أن المخطط الامبريالي – الصهيوني قد انكشف بما فيه الكفاية،

فلا “كامب ديفيد” الذي قاده السادات قد حقق التسوية و لا محاولات الاتصال مع العدو الصهيوني اللاحقة قد كانت صادقة. نحن مستعدون للمساهمة في أي عمل  نضالي و تعبوي يخدم قضية تحرير الأرض السليبة، و برهنا بالملموس على امتداد ثماني سنوات منذ التأسيس بأننا مع الثورة الفلسطينية بكل فصائلها و مكوناتها، نأمل في أن يكون إسهام الطبقة العاملة إسهاما فعليا و شجاعا في مساندتها للثورة الفلسطينية.

الحرية: أكيد أنكم تتبعتم التطورات الحاصلة في المخيمات الفلسطينية بلبنان و خاصة حرب حركة “أمل” على هذه المخيمات. كيف تنظرون لهذا الحرب، لأسبابها و أبعادها؟

نوبير الأموي:  هناك مخطط امبريالي صهيوني ينفذ على امتداد الساحة العربية، لتشغيل كل القوى العربية الفاعلة عن مهامها في مساندة الثورة الفلسطينية و في دعم استقلالها الوطني و في تنمية إمكانياتها الاقتصادية و تحقيق الوحدة النضالية العربية؛ مخطط يرمي إلى شل كل الفعاليات الثورية و شغلها عن القضايا الأساسية و عزل الثورة الفلسطينية. و ما يجري في لبنان، ليس بريئا، فهو، من جهة، حلقة في مسلسل العدو الصهيوني و القوى الرجعية و بعض الأنظمة العربية التي تورطت – للأسف – في هذه المخططات.

و بدل أن تواجه العدو الصهيوني، أصبحت تواجه الوجود الفلسطيني في لبنان. هناك أكثر من طرف متورط في حرب المخيمات، الأمر لا يقتصر على حركة “أمل” التي تحولت من حركة داعمة للنضال الفلسطيني إلى حركة مناهضة حتى لمبدأ وجوده في لبنان  و في جنوبه إلى حد أن القذائف تساقطت حتى الآن على مغدوشة و مخيمات صبرا و شاتيلا، تأتي من طائرات صهيونية و من مدفعيات حركة “أمل”، و ما لم تستطعه إسرائيل في صيف 1982 و ما عجزت عن تحقيقه في هذه الفترة، تضطلع به اليوم حركة “أمل” بدعم واضح من الأطراف العربية. هناك مخطط صهيوني – امبريالي يتقاطع و يلتقي مع مخططات متعددة للرجعية و بعض الأنظمة، مخطط يتم على أساس اجتثات الثورة الفلسطينية، ليس من الأرض اللبنانية فحسب،

و لكن من كل الأراضي العربية و عزل الشعب الفلسطيني المكافح وصولا إلى تصفية وجوده و كسر بندقيته. و مصير حرب المخيمات لن يكون سوى مصير الحروب السابقة التي قادتها إسرائيل و مؤامرات بعض الأنظمة العربية على الثورة الفلسطينية، و كل من يسيء للثورة الفلسطينية يحكم على نفسه بالنهاية، لأن مصداقية أية حركة و أي نظام يتعلق بالأساس من موقفه تجاه الثورة الفلسطينية.