dariouch_espana_Raoudnews_mostafa.jpg الإعلام في ظل تحول

الإعلام في ظل تحول العلاقات الاسبانية المغربية

بقلم: جمال المحافظ

 “إسبانيا الآن…تحولات المشهد السياسي الاسباني 2008 ـ 2023 “للإعلامي والباحث نبيل دريوش، كان من بين الإصدارات الجديدة التي جرى تقديمها بالدورة 29 للمعرض الدولي للنشر والكتاب الذي احتضنته الرباط، ما بين 09 و19 ماي 2024، والذي شكل مناسبة لتسليط الضوء على متغيرات  الشأن الداخلي للجارة الشمالية للمغرب، وانعكاساتها على الحياة السياسية في القرن 21الواحد والعشرين.

 وإذا كانت معظم التحليلات والآراء تذهب إلى أن هناك تقصيرا مزمن من جانب الفعاليات السياسية والأكاديمية ومؤسسات المجتمع المدني بالمغرب في الاهتمام واستيعاب التموجات المتسارعة وللمخاض الذي يعرفه الشأن الاسباني على المستويات السياسية والحزبية والإعلامية والمجتمعية، المؤثرة في صناعة القرار، فإن هذا العطب، مرده بالخصوص إلى ندرة الدراسات والمؤلفات المغربية عن إسبانيا، .

 لكن بالمقابل فإن المشاركين في هذا اللقاء الذي نظمه المركز المغاربي بالتعاون مع مجلس الجالية المغربية بالخارج، أثاروا الانتباه إلى وجود اهتمام واسع من قبل المفكرين والمثقفين والسياسيين والدبلوماسيين والأكاديميين الاسبان بالشأن المغربي في مختلف جوانبه، وهو ما يقتضى إيلاء مزيد من الاهتمام بمختلف جوانب الواقع الإسباني، وتكرس البحث بكل موضوعية وتجرد، في تحولاته، خاصة في ظل التحولات الإيجابية في العلاقات بين المملكتين الاسبانية والمغربية المرشحة الى مزيد من التطوير، بفضل مشاريع التعاون بينهما في عدد من الميادين، والتنظيم المشترك بينهما والبرتغال لمونديال كرة القدم سنة 2030.

الآن وغدا

عديدة هي الاقتراحات التي أسفر عنها النقاش حول كتاب ” ” إسبانيا الآن…” منها إعادة تفعيل المبادرات المدنية المشتركة، مع إعادة تقييم شامل لها، مع استحضار دور الصحافة ووسائل الاعلام، الحيوي خاصة في زمن الثورة الرقمية التي أضحت عنصرا أساسيا في تشكيل مزاج الرأي العام الاسباني، حول جارته الجنوبية، ومعها تغيير الصورة النمطية التي اعتاد الاسبان رسمها في مخيالهم عن المغاربة ( المورو )، وهو ما يتطلب  تظافر جهود الطرفين لتجسير العلاقات ما بين الفاعلين في وسائل الاعلام، والانطلاق من التحولات المجتمعية الراهنة، مع الاستجابة لاهتمامات وحاجيات الجمهور.

ويكون من المفيد استعادة دور الاعلام، بكلا البلدين، من خلال تجربة “التناوب التوافقي” بالمغرب ما بين 1998 و2002 والانتقال الديمقراطي في إسبانيا من 1975 الى  1978. إذ بغض النظر عن الاختلافات ما بين التجربتين ، على المستويات التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وحتى النفسية، فإن ما جمع بينهما، إلى حد ما، التشابه في طبيعة المرحلة التاريخية التي مرت بهما كلا التجربتين واشتراكهما في إرادة الفاعلين، أغلبية ومعارضة، في تحقيق انتقال ديمقراطي سلمي وسلس مبني على قاعدة التوافق بين مكونات الطبقة السياسية لطي صفحة الماضي الأليم والتوجه نحو المستقبل عبر الدمقرطة.

فوفق تدبير أعده الجنرال فرانكو الذي حكم اسبانيا، بقبضة من حديد لأزيد من 40 سنة، استلم الملك خوان كارلوس سنة 1975 قيادة الدولة، بعدما توافقت القوى السياسية، يمينها ويسارها، للمضي قدما بالانتقال الديمقراطي، مع ترك الخلافات والصراعات جانبا، والتوجّه نحو المستقبل الذي توج بالمصادقة على دستور جديد.

أما  في المغرب فإن ” التناوب” ، كان ” ثمرة تفاهم وتوافق سياسي” بين الراحل الحسن الثاني و مكونات ” الكتلة الديمقراطية”، من أبرز نتائجه، تشكيل الحكومة رقم 25 في تاريخ المغرب الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بقيادة  عبد الرحمان اليوسفي ( 1926- 2020 ).

ديمقراطية وإعلام

ويعود الانتقال الديمقراطي في إسبانيا إلى “ثلاثة لاعبين رئيسيين”، هم الملك خوان كارلوس الأول، الذي قرر التوجه نحو الديمقراطية مباشرة، وأضولفو صواريث، أول رئيس حكومة منتخب ديمقراطيا، والاشتراكي فليبي غونواليس الذي قضى في رئاسة الحكومة 13 سنة. وشكلت هذه التجربة حالة فريدة للتوافق بين حكومة ديمقراطية ناشئة، وبين وسائل إعلام متعددة التوجهات (فرانكوية، اشتراكية، جهوية…).

وبعد إجراء انتخابات 15 يونيو 1977، تعزز الانتقال الديمقراطي في اسبانيا، باتخاذ عدة قرارات جريئة، منها على الخصوص إعلان العفو العام، والاعتراف بكل الأحزاب بما فيها الحزب الشيوعي، وإعداد دستور جديد، وإلغاء الرقابة على الصحافة، وحذف وزارة الإعلام وإحداث محلها وزارة للثقافة.

وإذا كان الانتقال الديمقراطي يعد دعامة الاتصال السياسي الذي يتأسس من واقع التفاعل في ما بين وسائل الإعلام والسياسة والمواطنات والمواطنين مما يجعله ينطوي على قواعد وتوقعات معيارية تبدو جد معقدة، فإن وسائل الإعلام الإسبانية – على خلاف المغرب-، ساهمت بدور حاسم في احتضان الانتقال الديمقراطي، واجتهدت الصحافة في ترويج خطاب جديد في مجالي السياسة والثقافة، مسايرة بذلك تطور النقاش السياسي في القضايا العامة، في الوقت الذي كان الإعلام في مرحلة ديكتاتورية فرانكو ينزع الطابع السياسي عن اهتمامات الجمهور، مع التركيز على قضايا بعيدة عن انشغالات الرأي العام.

إعلام وتناوب

وإذا كان هذا واقع حال الإعلام في إسبانيا بعد مرحلة فرانكو، فإن “التناوب التوافقي” في المغرب، وإن حظي بترحيب وطني ودولي، فإن التأييد الذي لقيته هذه التجربة في بدايتها من وسائل الإعلام، سرعان ما تحوّل إلى انتقاد لأدائها على صفحات الجرائد، خاصة بعدما “فشلت” الحكومة في إحداث تغيير عميق في قطاع الصحافة والإعلام والعمومي، وفي ظل عجز الطبقة السياسية على فهم متطلبات هذا القطاع الاستراتيجي وخصوصياته المهنية.

فالمغرب وإن عرف، على المستوى السياسي والدستوري والحقوقي، دينامية متواصلة زمن التناوب، إلا أن العلاقة مع وسائل الإعلام ظلت فضاء للتوتر، على الرغم من أن التحول إلى الديمقراطية، في بلدان الانتقال، غالبا ما يفضى إلى نزاعات بين الحكومات والإعلام، فضلا على أن الخلاف حول عدد من المفاهيم، خاصة ما يتعلق منها بحماية القيم الاجتماعية والثقافية والأخلاقية والأمن القومي والنظام العام، تُتخذفي بعض الأحيان، كذرائع لتبرير التدخل السياسي في الصحافة والاعلام.

اعلام وذاكرة

وبالمقابل فإن الكتابة الصحفية، في مرحلة التناوب حول الذاكرة السياسية الوطنية، يلاحظ أنها  عرفت انتعاشا، بشكل ملحوظ، حيث تميز ما كانت تنشره الصحف بجرأة كبيرة في تناول قضايا، كانت تعد من المحرمات إلى حين، بسبب ما يعتبر “خطوطا حمراء” مع الإفراط في ممارسة الرقابة الذاتية لدى معالجة ملفات التاريخ السياسي الوطني.

وفي هذا الصدد تنافست الصحافة المكتوبة، على تقليب صفحات الماضي، وحظيت هذه الحفريات الإعلامية، باهتمام متزايد من لدن الطبقة السياسية ومعها فئات واسعة من الرأي العام، وهو ما مكّن من إحداث نقلة نوعية في التفكير والبحث.

كما سُجل انتعاش ملحوظ في الإقبال على الصحافة، وعرف الأداء المهني نتيجة ذلك تطورا، مع الاستناد في تحليل المادة الصحفية على مقاربات تسند على قواعد المنهج التوثيقي، وتعزز المشهد الصحفي والإعلامي أيضا بالتحاق جيل جديد من الشباب بـ”مهنة المتاعب”، من المتوفرين على تكوين عال.

تداعيات ويقينيات

وإذا كانت الصحافة قد تمكّنت من نفض الغبار عن ملفات الماضي، بطرح تساؤلات حول ظروف وتداعيات بعض الأحداث، فإنها أثارت في المقابل جدلا واسعا، حول وظائف الصحافة، ودور الصحافي ( مؤرخ اللحظة ) في تناول هذه الأحداث، التي عادة ما تكون من اختصاص المؤرخين، مع العلم أن تحرير المادة الصحفية، تختلف عن الكتابة التاريخية، لتعامل الصحافة الفوري مع الأحداث بمنهجية إعلامية وتحويلها إلى مادة صحفية، حتى تكون في مستوى إدراك فئات واسعة من القراء والمشاهدين والمستمعين.

هذه التحولات خلقت، على مستوى أداء الإعلام، واقعا جديدا، وتخلخلت بموجبها يقينيات سادت لردح من الزمن حول فصول من أحداث الماضي التي طرحت وفق مقاربات مستجدة، وأعيد قراءتها وتحليلها بدون قيود في مرآة الصحافة. وخلقت هذه الوقائع المنشورة جدلا واسعا بين مختلف الأطراف الحزبية والحكومية والإعلامية، ومعها طرحت إشكاليات متعددة من قبيل ما هي حدود التّماس بين الفاعل السياسي والصحافة، ودور الإعلام في زمن التناوب التوافقي.

 استقلالية الصحافة

وإذا كانت الصحافة الإسبانية، قد تمكنت، خلال مرحلة الانتقال الديمقراطي، من التحول إلى أدوات اتصال مستقلة عن الحكومة وذات خط تحريري يعكس توجهات القائمين عليها بفضل أجواء الحرية ما بعد فرانكو، وساعد الإعلام على ترسيخ الديمقراطية، والارتقاء بمستوى العمل الصحفي، فإنه على العكس من ذلك سادت أجواء من التوتر زمن التناوب ما بين الصحافة والدولة، وانصب الجدل حول العلاقة الملتبسة في مراحل الانتقال الديمقراطي بين الفاعل السياسي والفاعل الإعلامي.

فالتناوب وإن ” لم يكن تلك العصا السحرية التي تحقق المعجزات “، فإن وسائل الإعلام، جعلت قطاعات عريضة من المجتمع المغربي، تتوق إلى ” استعادة السنوات الضائعة “، لكن ابتداء من أواخر سنة 2000، وبعد ” الخروج عن المنهجية الديمقراطية ” في 2002 بتعيين وزير أول تكنوقراطي من خارج الأحزاب السياسية، ” وقع إحكام للقبضة من جديد على الصحافة، حيث تعرضت ثلاث جرائد للمنع من الصدور، ليس بحكم قضائي، وإنما بقرار حكومي.

الإعلام_المغرب_إسبانيا_Raoudnews_mostafa-1.jpg

الإعلام_المغرب_إسبانيا_Raoudnews_mostafa-1.jpg
المحافظ_كوكاس_الإعلام_Raoudnews_mostafa-1.jpg الإعلام في زمن

الإعلام في زمن اللايقين ببني ملال

mohafez_kougas_Raoudnews_mostafa_raoud.jpg الإعلام في زمن
mohafez_kougas_Raoudnews_mostafa_raoud.jpg الإعلام في زمن

لقاء بكلية الآداب بنى ملال يقارب تحديات الصحافة على ضوء كتاب” الاعلام في زمن اللايقين” 

جمال المحافظ

نظم مسار التميز في الصحافة والإعلام بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة السلطان مولاي سليمان ببنى ملال بشراكة مع مكاتب بن خلدون الجمعة 19 أبريل 2024 بإحدى قاعات الكلية، لقاء مفتوحا حول مؤلف” الاعلام في زمن اللايقين ” للكاتب والصحافي د. جمال المحافظ، وذلك بمشاركة الإعلامي والكاتب عبد العزيز كوكاس.

فخلال الجلسة الافتتاحية، أشاد عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية الأستاذ محمد بالأشهب في كلمة بالمناسبة، بمبادرة تنظيم هذه اللقاء، تحت إشراف  الأستاذ ادريس جبري، منسق ماستر التميز بالصحافة والاعلام، حول موضوع الاعلام في زمن اللايقين، واختيار صاحب كتاب بنفس العنوان، الكاتب والإعلامي المتميز جمال المحافظ الذي راكم تجربة طويلة في مجال الصحافة والبحث الأكاديمي.

وبعدما ذكر بأن مسار التميز في الصحافة والإعلام الذي كان مبادرة خالصة منذ سنة 2012، لشعبة اللغة العربية وآدابها، وتوج كذلك بإحداث الكلية لخمس مسارات تميز في تخصصات أخرى، أوضح الأستاذ بالأشهب، أن كل ذلك يندرج ضمن المخطط الوطني لتسريع تحول منظومة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار الذي يكتسى بعدا استراتيجيا وطابعا علميا صرفا يستمد جوهره من التوجيهات الاستراتيجية للنموذج التنموي الجديد. ودعا إلى العمل على إعادة الاعتبار للعلاقة القائمة ما بين الثقافة والصحافة، وتجسير العلاقة ما بين التكوين في المجالين الأدبي والإعلامي.

اللقاء المفتوح اسهام في إدماج الجامعة في محيطها

أما الأستاذ ادريس جبري، فأشار بالخصوص  إلى أن هذا اللقاء المفتوح يعد حلقة من بين حلقات أخرى موجهة لفائدة طلبة مسار التميز في الصحافة والإعلام، ويشكل اسهاما في ادماج الجامعة في محيطها، وفي اطار البرنامج التكويني الذي من بين أهدافه تحقيق المزيد من الانفتاح على الفعاليات الإعلامية والأكاديمية المتميزة والاحتكاك بها وانتهاجاتها الفكرية، والاستفادة من تجاربها المهنية، متوقفا عند مسار الكاتب جمال المحافظ، مدير الاعلام بوكالة المغرب العربي للأنباء سابقا، والأستاذ الجامعي الزائر، وصاحب عدد من المؤلفات في مجال الصحافة والاعلام.

mohafez_kougas_Raoudnews_mostafa_raoud.jpg الإعلام في زمن
mohafez_kougas_Raoudnews_mostafa_raoud.jpg الإلام في زمن

وأشار جبري إلى  أن هذا اللقاء المفتوح، الذي نشطته شهرزاد عيوش الطالبة بماستر التميز بالصحافة والاعلام، يأتي في أعقاب الدرس الافتتاحي للموسم الجامعي 2023- 2024 المنظم بعنوان” الصحافة في ظل التحولات الرقمية، من الصحافي المهني الى الصحافي “المواطن” من تقديم الكاتبة والإعلامية فاطمة الافريقي، وكذلك بعد احياء الذكرى الرابعة لرحيل عميد الصحافة الجهوية محمد الحجام، بمشاركة عدد من الفعاليات الإعلامية والنقابية.

الإعلام يجابه إشكال مركب و متعدد الأوجه

 وفي قراءته للكتاب لاحظ زكرياء بن حسي الطالب بماستر التميز بالصحافة والاعلام، أن ” الاعلام في زمن اللايقين” يظهر أن الإشْكَالَ الذي يُجَـابِـهُ الإعلامَ إِشكالٌ مُرَكَّبٌ ومتعدِّدُ الأوجهِ؛ منه ما يتعلق بالثورة الرقمية أساسا، ومنه ما يتعلق بالفعالية السياسية، ومنه ما يرتبط بالمؤسسات، ومنها كذلك ما يتعلق بأحوال الإعلام المغربي والمغاربي موضحا أن المؤلف حاول مُقاربةَ مُختلِفِ هذه الإشكالات من خلال التذكيرِ بمفهومِ الصِّحافةِ وأهميَّـتِها بـوصفْها الجسرَ الرَّابطَ بينَ الخَبَرِ والمـتَلقي بِـتَحَـرِّي الصدقَ، مع الإشارة إلى أدوارِ الصحافي، وما تحتاجهُ ممارستُـهُ من شروطٍ كالحريةٍ والاستقلاليةِ والديموقراطية، في مقابلِ الشروطِ التي من الواجبِ تَـوَافـُرُها في شخصِ الصَّحفي؛ من ذلك الأهْلِيَّةُ والاستحقاقُ وحُبُّ المهنةِ والذُّودُ عنها. كما أشار بن حسي وهو أيضا صحفي متمرن، الى أن الكاتبُ، في ظل هذا الاستقراء لأحوال الصحافة، عَمَدَ إلى عرض شريطِ بعضٍ من أعلامِ الإعلامِ وما كان لهم من دورٍ في أرساءِ قواعدِ الممارسةِ الصحافيةِ وتنظيمِها والدفاعِ عنْها، كما سلط، في سياق النَّبْشِ في الماضي، الضوءَ على الإهمال الذي طال إصلاح المقاولة الصحفية.

 

وشدد على  الكاتب، الذي لم يكتف بالتوقف عند لى كل هذه الإشكالات، قدم بعض المقترحات منها ادراج التربية الإعلامية في مختلف المراحل الدراسية، والارتقاء بمستوى التكوين الصحافي للنهوض بالمهام الـمَنُوطَةِ بالصحفيين، وتوسيع هوامش حرية التعبير، وضمان استقلالية هيئات التحرير، مع الالتزام بقواعد وأخلاقيات المهنة، وتأهيل المقاولةِ الصحافيةِ، وحفظ كرامة الصحافي.

الاشتغال بصمت و بدون ضجيج

وفي قراءته لكتاب ” الاعلام في زمن اللايقين ” الذي يتضمن ستة فصول هي “الإعلام والرقمنة” و” الثقافة والاعلام” و”الاعلام والسياسة” و”الصحافة والذاكرة” و”الاعلام والمؤسسات” و”الاعلام والجوار”، سلط عبد العزيز كوكاس الضوء على مسار المؤلف الذي قال عنه، بأنه يتميز بكونه صحفيا متمرسا وفي نفس الوقت ناشطا جمعويا وباحثا مواظبا، بحس نقدي واضح، واختياره الاشتغال بصمت وبدون ضجيج، مع عدم استسلامه في نفس الوقت للقناعات الباردة، مؤكدا على أنه ركز في كتابه على معالجة الاستراتيجيات الكبرى المفتوحة، لأننا نعيش في زمن اللايقين.

وفي هذا الصدد يرى كوكاس أن هناك مكونان أساسيان في هذا المؤلف، هما الإعلام واللايقين، وبينهما الزمن الذي هو مفهوم فلسفي متسائلا كيف نكتب عن اللايقين باليقين ؟ معربا عن اعتقاده الراسخ، بأن الحداثة تستعير أسئلة زمانها، أي أن تكون حديثا، يعنى أن تصنت لزمانك، وأن ما يقوى كتاب جمال المحافظ الصدق واخلاصه للصداقة.

وكان الكاتب والباحث جمال المحافظ، قد أكد في بداية اللقاء على ” أن اليقين الوحيد الذي يمكن أن يتمتع به المرء، هو أننا نعيش في عالم من اللايقين”، وذلك استنادا الى كتاب ” بين الزمن والأبدية ” لصاحبيه إيزابيل تنغرس، وإيليا بريغوجين الفائز بجائزة نوبل في الكمياء عام 1977. ولاحظ أن جائحة كوفيد 19، ساهمت في تسليط مزيد من الضوء على مبدأ اللايقين، خاصة في الحقول المعرفية والسياسية والثقافية، والإعلامية، وتزامن ذلك مع ما يلاحظ من انتشار التفاهة والشعبوية والتضليل مؤكدا على أنه من الصعوبة الحديث عن التحولات التي طالت وسائط الاعلام بدون ربط ذلك بالتقدم التكنولوجي الذي جعل الحدود بين هذه الوسائط تنهار.

وفى مناقشتهم للكتاب، طرح المتدخلون، عددا من الأسئلة، والمقاربات ركزت بالخصوص فضلا عن مضامين الكتاب، على اكراهات الصحافة وتحديات الثورة الرقمية، والاشكاليات التي تثيرها وسائط التواصل الاجتماعي، والمسؤولية الاجتماعية للصحافة، وأخلاقية المهنة في الزمن الرقمي ومستقبل الصحافة في ظل الذكاء الاصطناعي، وقواعد الكتابة الصحفية، وعلاقة الاعلام بالثقافة، والوضعية الراهنة للمشهد الصحفي والإعلامي .

لقاء_كلية_بني_ملال_Raoudnews_mostafa.jpg الإلام في زمن
لقاء_كلية_بني_ملال_Raoudnews_mostafa.jpg الإعلام في زمن
جماال_المحافظ_مؤسسة_دانا_Raoudnews_mostafa_raoud.png

الإعلام والحماية الاجتماعية

 *د. جمال المحافظ

تحظى أنظمة الحماية الاجتماعية بمكانة بارزة  ضمن أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، وهو ما جعل الهيئة الأممية تحث الدول على استحداث نظم وتدابير حماية اجتماعية ملائمة للجميع، ومن ضمنها تحقيق تغطية صحية واسعة للفقراء والضعفاء بحلول سنة 2030.

وفي هذا الصدد تعتبر الأمم المتحدة ، أن من شأن نظم الحماية الاجتماعية، إذا ما أُحسِن اعدادها وتنفيذها، أن يكون لها تأثير بالغ على تقدم البلدان، وتؤدِّي في نفس الوقت إلى تعزيز رأس المال البشري والإنتاجية، والحد من التفاوتات، وبناء القدرة على مواجهة الصدمات، وإنهاء حالة الفقر ومنع توارثه ما بين الأجيال.

ثقافة الحوار الاجتماعي

وبخصوص علاقة الإعلام بالحماية الاجتماعية ، فإن منظمة العمل الدولية، تولى أهمية خاصة لدور الإعلام في النهوض بثقافة الحوار الاجتماعي، باعتباره أداة في خدمة التنمية المستدامة، كشكل من أشكال الحكامة والمساهمة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

وتكاد تجمع مختلف المعطيات والتحليلات رسمية وغيرها لدى تشخيص منظومة الحماية الاجتماعية، بأن هذه المنظومة تتسم بعدة نقائص في مقدمتها طبيعتها الجزئية والمحدودة، وتميزها بعدم الإنصاف مما يقتضى جعلها مندمجة ومنسجمة، وأكثر فعالية وعدلا، تتسم بالنجاعة والفعالية للتقليص من الهشاشة  الاجتماعية.

معايير دولية

 كما يقتضى الأمر العمل على تنفيذ برامج واقعية، وملائمة منظومة الحماية الاجتماعية مع  السياسات العمومية، والمعايير الدولية، وجعلها منظومة الحماية الاجتماعية، تتخذ طابعا شموليا وتوسيع مجالها، ومن المستفيدين منها والقيام بإعادة هيكلة شاملة وعميقة، للبرامج والسياسات الوطنية، في مجال الدعم والحماية الاجتماعية للحد من حجم الخصاص الاجتماعي.

ومهما كانت أوليات الحكومة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، فإنه لا يمكن للسياسات العمومية الاستغناء عن الصحافة التي ليست منتوجا تجاريا بل هي منتوجا فكريا ورسالة اجتماعية، تقدم خدمة عمومية التي جعلتها الثورة الرقمية، تكتسي مكانة محورية لا رجعة فيها، وحولت الإعلام من سلطة رابعة إلى سلطة أولى، بمعايير مختلفة، وأصبح في الوقت الراهن، محرارا رئيسا يقاس به تقدم الدول .

بالرغم من أهمية هذا الورش الكبير في مجال الحماية الاجتماعية، فلم يواكبه الاهتمام الكافي بما يمكن أن تضطلع به وسائل الاعلام، من أدوار هامة في تقديمه الى المواطنات والمواطنين، من أجل التعريف والتحسيس به، والتوعية بأهميته، في ترجمة أهداف التنمية المستدامة على أرض الواقع.

استراتيجية للإعلام

وفي ظل غياب استراتيجية وطنية واضحة المعالم في قطاع الصحافة والاعلام، وعدم إدراج هذا القطاع ضمن أولويات السياسات العمومية، فإن الأعلام يظل بصفة  عامة قاصرا عن القيام بدوره في مجال الحماية الاجتماعية، على الرغم من بعض المجهودات المبذولة، والتي تكتسى في غالبيتها طابعا مناسباتيا، وكذلك ما يقوم به عدد من الصحفيين في هذا المجال والتي تظل مجهودات محدودة، ومعزولة في غالب الأحيان وأكثر من ذلك لا تواكبها أطراف الحوار الاجتماعي سواء كانت حكومة أو مركزيات نقابية وأرباب العمل.

نظرة نمطية

 كما يلاحظ أنه على الرغم من حيوية الشأن الاجتماعي والدينامية التي خلقها ورش الحماية الاجتماعية، فإن الاعلام ظل مبعدا عن أجندات الفاعلين الاجتماعيين على مختلف المستويات، وظل التعامل بذات النظرة النمطية لوسائل الاعلام التي غالبا ما يجرى التعامل معها بالحذر والريبة، وعدم الثقة، في الوقت الذي تظل الصحافة المهنية، أداة للرقابة المجتمعية واليقظة، وجهاز إنذار.

periodistas_proteccion_social_Raoudnews_mostafa_raoud.webp
periodistas_proteccion_social_Raoudnews_mostafa_raoud.webp

ونتيجة للتطور التكنولوجي، ينبغي الإيمان بأن الإعلام والاتصال، أضحيا موجهين رئيسيين لطريقة تمثلنا للعالم، وهو ما جعل علاقتنا بهذا العالم، أصبحت، لا تتم وفق تجربتنا، بل وفق ما يقدمه لنا الإعلام جاهزة ويحاول إدخالها في مخيالنا الجمعي، كما يتفق العديد من الخبراء في هذا المجال.

المعلومة الاخبارية

فمنذ أواسط التسعينات من القرن الماضي، فإن الإنترنيت غيرت بعمق معالم وسائل الاعلام، وأظهرت منافسين في بلورة انتشار المعلومة الإخبارية، الأمر الذي خلخل الممارسات المهنية للصحافيين أنفسهم، وغيرت الطريقة التي يجرى بها اخبار الجمهور، وهذا ما جعل التكنولوجيا الحديثة، تكون سببا في إعادة توزيع الأدوار بين المنتجين والمستهلكين لمواد الصحافة الورقية والصحافة الكترونية، وحدوث تغير في طرق تلقى المعلومات واختيارها.

جيل جديد

وعلى قلتها، فهناك بعض المبادرات قد حاولت ملامسة موضوع الاعلام والشأن الاجتماعي، في مقدمتها الدعوة التي وجهها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في تقرير بعنوان ” نحو جيل جديد من الحوار الاجتماعي بالمغرب ”  الى مختلف الفاعلين في المجال الاجتماعي الى ” التعاون مع وسائل الاعلام في تأمين تغطية إعلامية وإخبارية منتظمة، لكافة الأنشطة والمنتديات والمنجزات المتعلقة بالحوار الاجتماعي”.

كما شدد المجلس بالمقابل في هذا التقرير الذي نشره في بداية جائحة كوفيد 19 سنة 2020، وتضمن عدة مقترحات وتوصيات على دور الاعلام في الحوار الاجتماعي، على ضرورة “حرص وسائل على مواكبة الهيئات بالمؤسسات العمومية والخاصة والمقاولات التي تقدم تجارب جيدة في مجال الحوار الاجتماعي”.

ضرورة التخصص

بيد أنه على المستوى الإعلامي، يلاحظ غياب تخصصات في مجال الحماية الاجتماعية، أكان ذلك بوسائل الإعلام العمومي أو الخاص، رغم الأهمية الاستراتيجية لهذا الورش الكبير. هذا الأمر يفرض الاهتمام بالتكوين واستكمال التكوين في تخصص الاعلام في الميدان الاجتماعي، لكن مع ملاءمته مع المتغيرات التي تطرحها الثورة الرقمية التي يتعين التعامل معها، كمعطى إيجابي، يتعين العمل على استثماره، مع توفير كافة المعلومات والمعطيات حول مشروع الحماية الاجتماعية، حتى تتمكن وسائل الاعلام من القيام بدورها باستقلالية وحرفية، واستنادا على ضوابط أخلاقيات المهنة في التعاطي مع هذا المشروع الضخم، بهدف أداء رسالتها النبيلة في مجال الأخبار و التحسيس و التثقيف.

*مداخلة في ورشة تدريبية حول” دور الاعلام في إيصال المعلومة حول الحماية الاجتماعية كحق للجميع” المنظمة في 24 فبراير 2024 بالرباط من طرف ” مؤسسة DANA” ومنظمة   Echos Communication  البلجيكية

كاتب إعلامي مغربي*