افريقيا_ثروات_نهب_Raoudnews_mostafa_raoud.jpg افريقيا ضحية الارهاب

إفريقيا ضحية الإرهاب والنهب والانقلاب (2/4)

بقلم: سعيد الكحل

خطر نهب ثروات إفريقيا.

إن الثروات الطبيعية والمعدنية التي تزخر بها قارة إفريقيا خلقت تنافسا قويا بين القوى الدولية على نهبها واستغلالها في تحقيق الغنى والرفاه لشعوب تلك الدول، مقابل الفقر والتخلف والمجاعة لشعوب الدول الإفريقية التي لم تتحرر بعدُ، من التبعية والخضوع للاستغلال. يقول كوامي نكروما في كتابه “الاستعمار الجديد: المرحلة الأخيرة من الإمبريالية”، والذي صدر عام 1965: “إن رأس المال الأجنبي يستخدم للاستغلال وليس لتنمية الأجزاء الأقل نموًا من العالم”.

وهذا ما ينطبق على إفريقيا. فعلى سبيل المثال يورانيوم النيجر يجعل فرنسا المنتج الرئيسي للطاقة في أوروبا بنسبة 17.1% من مجوع الإنتاج في أوروبا، متقدمة على ألمانيا (15.3 %) وبريطانيا (13.9 %). وأن 80 % من كل الموارد والثروات المعدنية التي يتم استخراجها من إفريقيا تصنع خارجها. كما تسهم الكونغو الديمقراطية بنحو 70% من الإنتاج العالمي للكوبالت و80% من الكولتان، مما يجعلها ساحة ذات أهمية إستراتيجية لا يستهان بها. ومن مظاهر الاستغلال أن شركة أريفا الفرنسية التي تحتكر شراء اليورانيوم وتصديره تدفع لحكومة النيجر5,5% فقط من قيمته في السوق العالمية. فإفريقيا التي بلغت في سنة 2010، صادراتها من البترول والمعادن333 مليار دولار، أي ما يساوي سبعة أضعاف قيمة المعونات التي تلقتها القارة، لم تستفد من فرص التنمية والاستثمار؛ بل ظلت تعاني الفقر والمجاعة «يعاني حوالي 146 مليون شخص من انعدام حاد للأمن الغذائي، وهم بحاجة إلى مساعدة إنسانية طارئة» بحسب الصليب الأحمر والهلال الأحمر.

ومن نتائج نهب الثروات الإفريقية أن من بين 54 دولة إفريقية، توجد 23 دولة منها تعتبر، وفق التقارير الدولية في موضوع التنمية، من أكثر دول العالم فقرا. وأزيد من 60 في المائة من بين سكان إفريقيا يعيشون حالة أدنى من مستوى الفقر المعتمد عالميا من المؤسسات التنموية. وبحسب تقرير لقناة RT فإن خسائر ليبيا من النفط بلغت سنويا 750 مليون دولار ما بين 2011 و 2018. وفي السودان بعد التقسيم خسرت البلاد 75 % من عائداتها السنوية من النفط. كما حصل مرتزقة “بلاك ووتر” على 55 % من موارد النفط والحديد والذهب. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد من النهب من طرف الدول الأوربية، بل تجاوزه إلى حد أن البنك الدولي اتخذ، في عام 2007، قرار مصادرة حق دولة مالي بالتصرف في ثرواتها من الذهب بحجة عدم امتلاك البلاد وسائل التنقيب.

وبعد 7 سنوات من الاستغلال والنهب، بلغت نسبة صادرات الذهب 70% لكن حكومة باماكو لم تحصل الا على 25% من العائدات. إلى جانب نهب الثروات تواجه أفريقيا معضلة التهرب الضريبي من طرف الشركات العالمية المستغلة للمعادن، حيث تقدر المبالغ المنهوبة بأكثر من 100 مليار دولار سنويًا. يضاف إلى نهب الشركات، تهريبُ الأموال وفساد النخب السياسية. في هذا الإطار ذكرت مجلة فوربس الأمريكية ذات الاهتمام بشئون المال والاقتصاد أن “إيزابيل” ابنة جوزيه إدواردو دوي سانتوس، وهي أول مليارديرة أفريقية، عندما قام صندوق النقد الدولي بمراجعة حسابات الحكومة الوطنية في أنغولا اكتشف خبراء الصندوق أنه بين سنوات2007 وحتى2010 اختفى32 مليار دولار من خزينة البلاد وهو مبلغ يساوي ربع عائدات الحكومة سنويا من إنتاجها من النفط والمعادن.

ولعل أفظع نموذج للنهب والهيمنة، اتفاق CFA بين فرنسا و14 دولة من غرب ووسط إفريقيا، هي «بينين وتوغو وبوركينا فاسو ومالي والسنغال وساحل العاج والنيجر وغينيا بيساو وتشاد والكاميرون وجمهورية وسط إفريقيا وغينيا الاستوائية والغابون»، إذ بمقتضاه تُودِع هذه الدول نصف احتياطاتها من العملة الصعبة في البنك المركزي الفرنسي. الأمر الذي يمكّن فرنسا من الحصول على قرابة 500 مليار دولار سنوياً من الدول الإفريقية التي تجمعها بها اتفاقية CFA. ومن شروط هذه الاتفاقية، أن الدول الإفريقية صاحبة تلك الأموال ليس لديها الحق في الوصول إليها والاستفادة منها كلما أرادت. بل تسمح لها فرنسا باسترداد فقط 15 % من تلك الأموال. وفي حال احتاجت تلك الدول مبالغ أكثر فليس أمامها سوى الاقتراض من فرنسا بمعدلات فائدة تجارية. فاقتصاد فرنسا ورفاهية شعبها قائمان على نهب ثروات إفريقيا. إذ «دون إفريقيا، ستنزلق فرنسا إلى مرتبة دول العالم الثالث» على حد قول الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك. أو كما قال فرانسوا ميتران: «دون إفريقيا، لن يكون لفرنسا تاريخ في

القرن الحادي والعشرين». وكشف تقرير لمنظمة اليونيسيف عام 2019، عن وجود 16 دولة إفريقية من بين 25 دولة في العالم تنفق على سداد ديونها أكثر ممّا تنفقه على التعليم والصحة والحماية الاجتماعية.

ويرى رئيس مجموعة النزاهة المالية العالمية -ومقرها واشنطن، ريموند بيكر، أن التدفقات المالية غير المشروعة أكبر مشكل اقتصادي تواجهه أفريقيا، ويساعد على استمرار هذا النزيف الملاذات الضريبية والشركات الوهمية، مضيفاً أن دول أفريقيا جنوب الصحراء خسرت بين عامي 2001 و2010 جراء تلك التدفقات نحو 385 مليار دولار.

خطر الانقلاب والاغتيال.

من المخاطر التي تتهدد استقرار إفريقيا وتعوق نموها وازدهارها، الاغتيالات والانقلابات العسكرية المدعومة خارجيا لتكريس الهيمنة على مقدرات الدول المستهدَفة (اثنان وعشرون رئيسا إفريقيا تم اغتيالهم، منذ العام 1963 إلى 2016). من ضمن المغتالين: اثنين من رؤساء جزر القمر والإطاحة باثنين آخرين من قبل المرتزق الفرنسي بوب دينارد على غرار اغتيال رئيس النيجر حماني دييوري حين قرر بيع اليورانيوم إلى دولة أخرى وذلك بانقلاب عسكري.

ومن الأمثلة البارزة في هندسة أنظمة الحكم بإفريقيا، “جاك فوكار”، أمين عام الإليزيه للشؤون الأفريقية ورجل فرنسا الأول في أفريقيا الذي كان يتحرك بأوامر مباشرة من الرئيس الفرنسي “شارل ديجول” الذي أناط به مهمة هندسة أنظمة الحكم في دول أفريقيا، إما بتثبيت الحكام أو الإطاحة بهم بما يخدم مصالح فرنسا. فكانت البداية من غينيا تحت حكم الرئيس “أحمد سيكوتوري” الذي قرَّر الاستقلال من جانب واحد عن فرنسا، وسرعان ما قرَّرت باريس معاقبته عبر حرمانه من امتيازاتها الاستعمارية. فصدرت، على الفور، أوامر لثلاثة آلاف فرنسي بمغادرة غينيا، وحمل أموالهم وأملاكهم وتدمير كل ما لا يستطيعون حمله، كالمدارس وحضانات الأطفال، والمباني الإدارية والسيارات والمعدات؛ بل أحرقوا مخازن الغذاء وقتلوا الماشية والأبقار. لم تكتفِ فرنسا بذلك، بل عمدت إلى تدمير العُملة الغينية الجديدة من خلال إغراق السوق بالعُملات المُزوَّرة التي طُبعت في فرنسا، وسلَّحت مُعارضين غينيين من أجل الإطاحة بـ “سيكوتوري”.

ومن أجل الحفاظ على مصالح فرنسا في الكاميرون، فقد دبّرت عملية اغتيال المعارض الكاميروني “فليكس مونيه”، في فيينا، بجرعة من التاليوم شديد السُّمية من أجل تثبيت حكم الرئيس “أحجو” الذي كان مواليا لفرنسا. كما اتُهمت فرنسا بالتورط، مباشرة أو بصفة غير مباشرة، في مقتل ما لا يقل عن 21 رئيسًا أفريقيًا منذ عام 1963 ، بما في ذلك توماس سانكارا في بوركينا فاسو.

إن اعتماد أسلوب الانقلابات العسكرية من أجل تقويض الاستقرار السياسي في إفريقيا لضمان المصالح الخارجية لم يكن نهج فرنسا لوحدها، بل اعتمدته دول أخرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وروسيا. فعلى سبيل المثال، تلقت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) مساعدة من بريطانيا للإطاحة بكوامي نكروما في عام 1966 لأنهم اعتبروه أكبر تهديد لمصالحهم. لهذا لم يعد مفاجئا أن تشهد أفريقيا أكثر من 200 عملية انقلاب عسكري بين 1960 و 2012.

إن وضعية معظم دول إفريقيا جنوب الصحراء تسمح بتصنيفها بأنها “مستعمرات جديدة” لاعتمادها الكبير على الدعم العسكري والاقتصادي الخارجي من أجل بقائها. لهذا ستظل تعمل القوى الخارجية على تأجيج المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية ودعم الانقلابات والتواطؤ مع التنظيمات الإرهابية لزعزعة استقرار تلك الدول حتى يزداد الاعتماد عليها وتبرير تدخلاتها الأمنية والعسكرية، ومن ثم ضمان مصالحها وتأمين نهب الثروات.

لقد بات واضحا أن الصراعات بالوكالة، والمنافسة على الموارد، وحرب المعلومات، والمناورات الدبلوماسية بين بعض القوى العالمية، قد أدت جميعها إلى تفاقم الهشاشة السياسية والعسكرية لبعض الدول الإفريقية. ففي منطقة الساحل والصحراء يظهر جليا الارتباط المباشر بين تنامي الإرهاب والفشل في مواجهته والسخط الشعبي الذي يُعدّ المبرر الرئيسي لكثير من الانقلابات. كل هذه العوامل تقوي التنظيمات الإرهابية وتعطي فرصا أكبر للتدخلات الخارجية. من هنا يعتقد مايكل كلير مؤلف كتاب “

الحروب على الموارد” “أن إفريقيا ستكون هي الهدف، وستكون مسرحًا للحروب القادمة بين القوى المتصارعة”.

لائحة الرؤساء الأفارقة (21) الذين اغتالتهم فرنسا وفق موقع “آفريكا 365″، والذين عُرفوا بمناهضة القوى الاستعمارية الغربية عامة وفرنسا خاصة. وقد نفذت تلك الاغتيالات من طرف ثلاث مصالح معروفة هي: الإدارة العامة للأمن الخارجي، ادارة أمن الدولة وادارة الرقابة الترابية .

-1963 سلفيانو أولومبيو،رئيس جمهورية التوغو.

-1966 جون آغيي أورونسي،رئيس جمهورية نايجيريا.

-1969 عبد الراشد شرماك،رئيس جمهورية الصومال.

1972- عبيد آماني كاورومي،رئيس جمهورية زيجيبار

1975- زيشار راتسيماندرافا، رئيس جمهورية ماداغاشقار.

1975 -فرانسوا انغارتا تومبالباي،رئيس جهورية اتشاد.

1976 – مارتالا رامات محمد،رئيس جمهورية نايجيريا.

1977 -ماريان انغوابي، رئيس جمهورية الكونغو ابرازافيل.

1977 -تفري بانتي، رئيس الجمهورية الإثيوبية.

1981 – وليام ريتشار تولبير، رئيس جمهورية ليبيريا.

1987 -توماس سانكارا، رئيس جمهورية بوركينافاسو.

1989 -أحمد عبد الله، رئيس جمهورية القمر.

1989 – ساميال كانيون دو، رئيس جمهورية ليبيريا.

1992ـ محمد بوضياف،رئيس جمهورية الجزائر.

1993- مالشيور اندادايي،رئيس جمهورية بوروندي.

1994- سيبرانانتارياميرا، رئيس جمهورية بوروندي.

1994-جيفنال هابياريمانا، رئيس جمهورية رواندا.

1999-ابراهيم بارا ميناسارا، رئيس جمهورية النيجر.

2001- لوران ديزيري كابلا، رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية.

2009-جواو برناردو افييرا، رئيس جمهورية غينيا بساو.

2011- معمر القذافي رئيس الجماهيرية العربية الليبية.

said_lkhal_Raoudnews_mostafa_raoud.jpeg افريقيا ضحية الارهاب

said_lkhal_Raoudnews_mostafa_raoud.jpeg افريقيا ضحية الارهاب
ارهاب_إفريقيا_Raoudnews_mostafa_raoud.jpg إفريقيا ضحية الارهاب

إفريقيا ضحية الإرهاب والنهب والانقلاب (1/4)

​بقلم: سعيد الكحل

صدر عن الأمم المتحدة، في شهر فبراير 2024، ينبه إلى خطورة انتشار الآلاف من مقاتلي تنظيمي «القاعدة» و«داعش» في مناطق مختلفة من قارة أفريقيا، وخصوصاً في منطقتي الساحل والقرن الأفريقي، بحيث وصل التهديد الإرهابي إلى ذروته في القارة الأفريقية التي تواجه، بخلاف بقية القارات، ثلاثة مخاطر مشتركة ومتداخلة، تقوض أمنها وتصادر حق شعوبها في التنمية والكرامة والديمقراطية؛ وهي الإرهاب، النهب والانقلاب. وضعية جعلت إفريقيا تعيش مفارقة صارخة: غنى الموارد البشرية والطبيعية والثروات، وفقر معظم شعوبها ودولها. ترتب عن تلك المخاطر أن 230 مليونا من ساكنة القارة يعانون من سوء التغذية، وفق برنامج الغذاء العالمي. فيما يرى الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، أن أفريقيا، تعاني من واحدة من أكثر الأزمات الغذائية إثارة للقلق منذ عقود، بحيث تؤكد تقارير هاتين الهيئتين أنه «يعاني حوالي 146 مليون شخص من انعدام حاد للأمن الغذائي، وهم بحاجة إلى مساعدة إنسانية طارئة». فإفريقيا تمتلك نحو 65 في المائة من مساحة الأرض الزراعية الصالحة للزراعة في العالم، و60 في المائة من ثروتها البشرية تقل أعمارهم عن سن 25. كما تمتلك دول إفريقيا 98% من الكروم في العالم، و90% من الكوبالت، و90% من البلاتين، و70% من الكولتان، و70% من التانتاليت، و64% من المنغنيز، و50% من الذهب، و33% من اليورانيوم، بالإضافة إلى نسب هامة من احتياطات العالم من معادن مثل البوكسيت والماس والتانتالوم والتونغستين والقصدير. كما تمتلك 12% من احتياطات النفط المعروفة، و8% من احتياطات الغاز الطبيعي. في 2012 قدّرت الأمم المتحدة بأنّ الموارد الطبيعية للقارة تشكّل 77% من مجمل وارداتها، و42% من مجمل عائداتها الحكومية. وتشكل القارة الإفريقية سوقا استهلاكية ضخمة ومغرية بنحو 1.3 مليار نسمة.

خطر الإرهاب.

إن الموارد الطبيعية التي تزخر بها إفريقيا، والهاشة الأمنية التي تعاني منها دول الساحل، تجعل من القارة البيئة الجاذبة للتنظيمات الإرهابية، لدرجة أن داعش بصدد إقامة دولة “الخلافة” في منطقة الساحل بعد انهيار دولته في العراق وسوريا إثر الضربات القوية التي تلقاها من دول التحالف الدولي. وقد مكنت سيطرة داعش على مناطق شاسعة تضم المناطق الريفية الممتدة من جاو في الشمال إلى دورى في الجنوب ومن نتيليت في الغرب إلى منطقة تاهوا الحدودية في الشرق. بحيث أصبحت البلدات، بما في ذلك أندريرامبوكان وإنديليمان وتين حماة، بمثابة عواصم شبه إدارية لدولة داعش التي تتشكل تدريجيا في الساحل.

تستغل التنظيمات الإرهابية الصراعات الحدودية بين الدول في النمو والتكاثر والانتشار والسيطرة على الموارد الطبيعية، والدخول في تحالفات وعلاقات فيما بينها ومع بعض حكومات المنطقة. الأمر الذي رفع من نسبة العمليات الإرهابية وضاعف من أعداد الوفيات والنازحين. فحسب مؤشر الإرهاب العالمي لسنة 2023، فإن تأثير العمليات الإرهابية حول العالم عرف زيادة في عدد الضحايا بمعدل وصل إلى 22% ليكون العدد الإجمالي للضحايا 8352 ضحية، رغم أن عدد العمليات الإرهابية الإجمالية قد انخفض بنحو 23% ليكون 3350 هجوماً إرهابياً خلال عام 2023. ففي الوقت الذي انحسرت فيه الاعتداءات الإرهابية بشكل ملحوظ في الدول الغربية، بتنفيذ نحو 23 عملية إرهابية، أي بانخفاض يعادل 55% عن سنة 2022، نجد أن الاعتداءات الإرهابية تركزت أساسا على: أفريقيا جنوب الصحراء، شمال أفريقيا والشرق الأوسط، بالإضافة إلى جنوب آسيا، حيث سقط في هذه الأقاليم 94% من ضحايا الاعتداءات الإرهابية لسنة 2022. واستحوذت أفريقيا جنوب الصحراء وحدها على 59% من عدد ضحايا هذه الاعتداءات، خاصة بوركينافاسو ومالي والنيجر. وكشف تقرير مؤشر الإرهاب العالمي 2023، عن زيادة بنسبة 50 % في الوفيات عن سنة 2022. كما سجل ارتفاع العمليات الإرهابية في المنطقة بأكثر من 2000 % خلال السنوات الـ 15 الماضية. وبحسب المنظمة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا «الإيكواس»، فإن منطقة غرب أفريقيا سجلت أكثر من 1800 هجوم في الأشهر الستة الأولى من عام 2023، مما أدى إلى مقتل ما يقرب من 4600 شخص، بالإضافة إلى نزوح 6.2 مليون شخص داخليا وما يقرب من نصف مليون لاجئ داخل المجموعة المكونة من 15 دولة. وأوضح التقرير أن الفترة الممتدة من يناير إلى 30 يونيو 2023، عرفت وقوع 2725 هجوماً في بوركينا فاسو، و844 في مالي، و77 في النيجر، و70 هجوماً في نيجيريا، أدت جميعها إلى مقتل 4593 شخصاً. بل إن الهجمات الإرهابية امتدت إلى بنين وتوغو اللتين تطلان على المحيط الأطلسي، مما يعد مؤشرا خطيرا على توسع الإرهاب إلى الدول الساحلية.

وقد اعتمدت التنظيمات الإرهابية تكتيكا مغايرا يقوم على تركيز عملياتها في مناطق بعينها بدل تشتيت قدراتها لتشمل رقعة جغرافية أوسع وذلك بهدف إسقاط ضحايا أكثر. وقد صنفت 7 دول إفريقية ضمن خانة الدول التي تواجه تهديدا إرهابيا مرتفعا، ويتعلق الأمر بكل من بوركينافاسو ومالي والصومال ونيجيريا والنيجر والكاميرون والكونغو الديمقراطية وموزمبيق.

وفي حالات كثيرة، يشن الهجمات الإرهابية في الساحل أشخاصٌ يسميهم محللو المؤشر «المتشددين المجهولين»، الذين لا يوالون أياً من الشبكات الإرهابية الراسخة مثل تنظيم داعش. وتحدث المحللون عن كثرة حدوث الهجمات بسبب المظالم المحلية، مثل سوء الخدمات الحكومية أو نقص الفرص الاقتصادية، وليس التعاطف مع داعش أو أمثاله.

وشهدت منطقة الساحل تصعيدا أكبر منذ منتصف 2017، حيث تزايدت العمليات الإرهابية المنسوبة إلى تحالف جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) وداعش (الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى) (ISGS) بسبعة أضعاف.

وقد ترتب عن تزايد الأنشطة الإرهابية واتساع نطاقها أن صارت دول الساحل عاجزة كليا عن بسط نفوذها على كامل ترابها الوطني (بوركينافاسو مثلا تسيطر فقط على 60 % من مجموع أراضيها. الأمر الذي يجعل الجزء المهم الغني بالذهب خارج سيطرة الدولة). وقد تمكنت التنظيمات الإرهابية، خلال الفترة من 2007 حتى 2022 من شن (6408) هجومًا إرهابيًّا أسفر عن مقتل (22074) شخصًا. مما جعل بوركينافاسو تحتل المرتبة الأولى في مؤشر الإرهاب العالمي. إذ شهدت بوركينا فاسو 67 % من الوفيات(7762)المرتبطة بالتنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل لسنة 2023؛ أي أكثر من ضعف عدد الوفيات المسجلة في عام 2022. أما مالي فتحتل الرتبة الثالثة بعد أن كانت تحتل المرتبة الرابعة سنة 2023؛ والنيجر الرتبة العاشرة للعام الثاني على التوالي.

عموما فإن منطقة الساحل والصومال وحوض بحيرة تشاد تمثل الآن 99 % من الوفيات المرتبطة بالتنظيمات الإرهابية في إفريقيا. وزاد من تعقيد وضعية هذه الدول الصراعات الإثنية والانقلابات العسكرية (بين 2020 و 2023 شهدت القارة الإفريقية 20 محاولة انقلاب).

ومن جهته نشر مركز إفريقيا للدراسات الاستراتيجية، أحد الأقسام التحليلية في البنتاجون، تقريرًا في غشت 2022 ذكر أن الهجمات الإرهابية في أفريقيا ارتفعت بنسبة 300% خلال العقد الماضي مع تضاعف الهجمات العنيفة في السنوات الثلاث الماضية فقط.

استنادا إلى تقرير “مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية” الصادر في 5 مارس 2024، يتوزع ضحايا الإرهاب في إفريقيا على الشكل التالي:

منطقة الساحل والصومال.

تمثل الأعمال الإرهابية في منطقة الساحل والصومال 77 في المائة من إجمالي الأعمال الإرهابية المعلن عنها في جميع أرجاء قارة أفريقيا في عام 2022. إذ ارتفع عدد القتلى بنسبة مثيرة للقلق بلغت 48 في المائة مقارنة بالعام 2022؛ ويقدر عدد الوفيات المرتبطة بالتنظيمات الإرهابية بنحو 11643 شخصا، وهو رقم قياسي منذ ذروة العمليات الإرهابية لبوكو حرام سنة 2015. الأمر الذي جعل أعداد الوفيات بالمنطقة ترتفع بنسبة ثلاثة أضعاف عن مستوياتها في عام 2020، عندما وقع أول انقلاب عسكري في المنطقة – والذي تم تبريره ظاهريًا على أساس انعدام الأمن. وبهذا تمثل الوفيات في منطقة الساحل 50 % من مجموع الوفيات المرتبطة بالتنظيمات الإرهابية المبلغ عنها في القارة عام 2023 بعد أن كانت تمثل 30 % من الوفيات المرتبطة بهذه التنظيمات في القارة عام 2020. ويمثل تحالف جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM)  أخطر تلك التنظيمات بنسبة 81 % من الجرائم الإرهابية في منطقة الساحل؛ حيث وصل عدد القتلى  إلى9195   مقابل5499   في عام 2022. في المقابل، شهدت الوفيات المرتبطة بتنظيم داعش (( ISGS انخفاضًا بنسبة 7% عام 2023 (وصولاً إلى2448  حالة وفاة). وشهدت بوركينا فاسو 67 % من الوفيات المرتبطة بالتنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل (7762). ويمثل هذا الرقم ضِعف عدد الوفيات المسجلة في عام 2022. أما مالي فشهدت ما نسبته 34 % من الأعمال الإرهابية المبلغ عنها في المنطقة (1014 هجوم و2863 حالة وفاة). فيما عرفت دولة النيجر، زيادة في الأعمال الإرهابية بنسبة 9 % منذ عام 2022 (وصولاً إلى 231 عملية تم الإبلاغ عنها) بحيث قفزت الوفيات بنسبة 48 % (793)، غالبيتها العظمى (93 بالمائة) ارتكبت ضد المدنيين من طرف داعش (242 حالة وفاة). وتشير التقديرات إلى أن هناك أكثر من 330 ألف لاجئ و 2.5 مليون نازح داخليًا من بوركينا فاسو ومالي والنيجر، ضمنهم أكثر من مليوني نازح داخليًا في بوركينا فاسو وحدها.

إلا أن حالة الصومال تظل لافتة للانتباه بسبب الارتفاع في عدد العمليات الإرهابية بنسبة 133 % سنة 2022 من طرف حركة الشباب على الخصوص. كما تم الإعلان عن 6225 حالة وفاة مرتبطة بحركة الشباب، بزيادة 2606 عن سنة 2021، وهو عدد قياسي يتخطى إجمالي أعداد القتلى في عامي 2020و2021. ويمثل هذا 37 % من مجموع العمليات الإرهابية في أفريقيا، وهو أقل بقليل مما حدث في منطقة الساحل.

حوض بحيرة تشاد.

 يشكل حوض بحيرة تشاد ثالث أكبر المواقع من ناحية الوفيات في القارة، حيث يمثل 16 % من إجمالي الوفيات المرتبطة بالتنظيمات الإرهابية؛ إذ بلغ عدد الوفيات 3769 شخصا سنة 2023. وغالبية تلك الأعمال الإرهابية مرتبطة بتنظيم بوكو حرام وتنظيم داعش “الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا” (ISWA).

شمال موزمبيق.

شهد مستوى الأعمال الإرهابية في موزمبيق انخفاضًا بنسبة 71 %، إذ تم الإبلاغ عن 127 عملا إرهابيا و260 حالة وفاة في عام 2023. ويُعزى هذا الانخفاض إلى الهجوم الذي شنته سنة 2023، مجموعة تنمية الجنوب الإفريقي (SADC) والقوات الرواندية التي تم نشرها في يوليو 2021 لمساعدة الجيش الموزمبيقي على طرد الإرهابيين من مدينتي بالما وموكيمبوا دا برايا، واستعادة 90 % من الأراضي التي كانت تحت سيطرة الإرهابيين ودفعهم إلى المناطق الريفية في الجزء الشمالي الشرقي من منطقة ماكوميا.

شمال إفريقيا.

عرف شمال إفريقيا انخفاضا في الأعمال الإرهابية بنسبة 98 %خلال العام 2023؛ بحيث لم يتم التبليغ سوى عن 4 عمليات، مما نتج عنه انخفاض بنسبة 98 % في عدد الوفيات المرتبطة بهذه العمليات لتصل إلى 7 وفيات، بعدما بلغت 4097 حالة وفاة في عام 2015. وتركز التهديد الإرهابي في شمال إفريقيا في المقام الأول داخل شبه جزيرة سيناء المصرية التي عرفت وقوع 156 هجوما إرهابيا سنة 2022 لينخفض إلى هجوم واحد استهدف الجيش المصري في سيناء في فبراير 2023. وعلى الرغم من هذا التراجع في الأعمال الإرهابية في هذه المنطقة، تعتقد الأمم المتحدة وغيرها من الهيئات أن داعش والقاعدة بليبيا لا يزالان يشكلان تهديدا مستمرا بالمنطقة.

ذكر تقرير لمؤشر الإرهاب العالمي لعام 2024 أن الجماعات الإرهابية مرت بعدة تطورات؛ فتاريخيًّا كان هناك نوعان من الجماعات النشطة في إقليم الساحل؛ الأولى: جماعات محلية ركزت على مشكلات المواطنين، وكانت دائمًا ما تعلن معارضتها للسياسات الحكومية الانتقائية، وانقسمت تلك الجماعات لعدة فروع ما بين عرقية وقومية ودينية، وفقًا لطبيعة أيديولوجيتها، وكان أبرزها “أنصار الدين” و”المرابطون” و”كتيبة ماسينا”، أما النوع الآخر من الجماعات فتعرف بالجماعات الجهادية العابرة للحدود، والتي تملك صلات وثيقة بالقاعدة أو بداعش، مما أدى لظهور ما تم تسميته بجهاد اللصوصية، حيث قامت تلك الجماعات الإجرامية باستخدام الدين للدفاع عن أعمالها الإجرامية كتنظيمي “القاعدة” و”داعش”، وتمكنت من التمركز في الأقاليم الحدودية المهمشة حيث ضعف القبضة الأمنية، وارتفاع معدلات الغضب الشعبي نتيجة التهميش الحكومي لأحوال الساكنة، لتتمكن بذلك الجماعات الإرهابية من استقطاب المواطنين وتوسيع القاعدة الشعبية لها، مستغلة حالة الفقر وتدهور الأوضاع الاجتماعية لتلك المناطق.

lkhal_said_adala_walihsan_Raoudnews_mostafa.jpeg
lkhal_said_adala_walihsan_Raoudnews_mostafa.jpeg