اليسار الإسباني يواجه الاستراتيجية الصهيونية 2/2

 

بقلم: المصطفى روض

أبانت حكومة تحالف اليسار التقدمي الإسبانية من خلال تعاطيها مع الهجمة الدبلوماسية لقادة دولة الاحتلال الإسرائيلي في الساحة الإسبانية عن تفاوت كبير بين مكونين من مكوناتها، ذلك أن الاحداث الناجمة عن التدخل الوقح بنبرته الصهيونية المتعالية ضد تعبيرات التضامن مع الشعب الفلسطيني، عقب إعلان إسرائيل حربها الإجرامية على قطاع غزة، رسمت لنا بوضوح شديد أن المكون دو الأغلبية في حكومة بيدرو سانشس، المنتمي للحزب الاشتراكي العمالي كان باردا و أحيانا باهتا في الرد على عجرفة و وقاحة القادة الصهاينة و معهم تمثيلتهم الدبلوماسية في مدريد بعد أن صعقهم الموقف المتوازن للمكون الثاني للحكومة المتمثل في الحقائب الوزارية الخمس لليسار الراديكالي في مقدمتها حقيبة وزيرة العمل و الاقتصاد الاجتماعي يولاندا دياس زعيمة حركة “سومار”، و رفيقتها إيوني بيلارا وزيرة الحقوق الاجتماعية  و الامينة العامة لحزب بوديموس.

سانشس لا يرد على إهانة القادة الصهاينة له

ففيما ظل يعبر بيدرو سانشس عن دعوته للسلام ورفضه لإعلان الحرب على قطاع غزة والقول بضرورة الاعتراف بالدولة الفلسطينية بشكل غامض مقرونا بانتقاده لعملية “طوفان الأقصى”، فضلا عن رده البارد للإهانة التي وجهها له القادة الصهاينة لدرجة أمروه بأن يدين وزراء حكومته المنتمين لليسار الراديكالي الذين انتقدوا وأدانوإ إسرائيل وعروا على استراتيجيتها الصهيونية الرامية إلى جر الحكومة الإسبانية للاصطفاف مع الدول الغربية على رأسها أمريكا دعما لحرب الإبادة الصهيونية.

وكان أمام رئيس الحكومة بيدرو سانشس خيارين للتعاطي مع ظاهرة الصهينة الدبلوماسية التي ارادت ابتزاز حكومته لإغماض عيونها على مجازر الإبادة التي ترتكبها دولة الاحتلال الصهيوني في حق الفلسطينيين بما رافقها من تجويع وتهجير قسري ومنع الأدوية والماء الشروب والانترنيت، و ما خلفته من الشهداء القتلى بالألاف، بحيث إما أن يتخذ موقفا تقدميا منسجما مع مرجعية حزبه ومتقاطعا مع قوى اليسار الراديكالي بكل مكوناته التي تحتضها حركة “سومار” أو يقع في قبضة الابتزاز الصهيوني وهو ما لوحظ عنه من خلال البرود السياسي الذي تجلى في تعبيراته و سلوكه.

واختيار الخيار الثاني يكشف عن انزلاق خطير كما عكسه التناقض في تعبيراته، حيث في المرة الأولى أكد على حق وزيراته في الحكومة التعبير عما يحدث من تطورات في قطاع غزة. لكن مع الضغط الذي مارسته عليه حركة “سومار” اليسارية، والتي من بين مطالبها الملحة هي أن يقوم بيدرو سانشس بصفته رئيسا للحكومة الإسبانية برفع دعوى ضد نتنياهو لمحاكمته على جرائم الإبادة في محكمة الجنايات الدولية.

وبدل ان يتجاوب مع “سومار” والوزيرات التقدميات في حكومته، انساق بشكل سخيف ومفضوح، ووضع مسافة مع المطالب التقدمية والديمقراطية التي ترى في إسرائيل دولة احتلال وفصل عنصري توسعي استيطاني يجب إخضاعها لقوانين الشرعية الدولية ومحاكمتها على جرائمها والعمل من أجل أن يتحرك المجتمع الدولي لكي ينصف الشعب الفلسطيني لاسترداد حقوقه السياسية والاجتماعية والثقافية بما فيها بناء دولته الوطنية وعاصمتها القدس.

وتلك المسافة التي أبعدته عن مواقف حركة “سومار”، كشف عنها التصريح الذي أدلى به لوسائل الإعلام وزيره في الشؤون الخارجية خوصي مانويل آلباريس، حين قال بعظمة لسانه، إن التعبير عن المواقف إزاء ما يحدث في غزة والشرق الأوسط هو من صلاحية حصرية لرئيس الحكومة ووزيره في الشؤون الخارجية.

الغريب أن تصريح آلباريس يحمل في طياته نوايا خبيثة تظهر إلى أي حد تمكن فيه القادة الصهاينة من وضع بيدرو سانشس ورفاقه في الحزب الاشتراكي العمالي في مأزق مثير للشفقة ولا يشرف حزبا تقدميا بلع لسانه في وقت كان عليه أن يعبر بشجاعة وانسجاما مع رفيقاته في حركة “سومار” لإدانة إسرائيل على جرائمها بقوة و التأكيد على ضرورة رسم خطة طريق للنضال في الساحة الدولية من أجل قضية الشعب الفلسطيني العادلة، علما أنه رئيس للاشتراكية الدولية، و هدا المنصب النضالي يملي عليه أن تكون مواقفه متجذرة إزاء العدوان الصهيوني و معبرة عن مواقف العديد من أحزاب اليسار الاشتراكي الديمقراطي.

“سومار” كانت في مستوى التعبيرات التضامنية الأممية

وبخصوص مواقف حركة “سومار” اليسارية التي واجهت الهجمة الدبلوماسية الصهيونية الشرسة، كانت في مستوى التحدي بتعبيراتها التضامنية الأممية وفي مستوى تموقعها إلى جانب حراكات المجتمع المدني الدولي الذي يناضل بشكل سلمي من خلال مظاهراته ومسيراته العارمة في كل بقاع العالم وخاصة داخل البلدان الغربية التي تساند حكوماتها العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني؟  

فما هي إذن هذه المواقف المشرفة التي عبرت عنها حركة “سومار” والتي أزعجت كثيرا القادة الصهاينة و محور المؤيدين لها.

في هذا الإطار قالت يولاندا دياس زعيمة “سومار”، “إن وقف هذه الهمجية هو الحد الأدنى من الالتزام الدي ندين به لأنفسنا كمجتمع”، مؤكدة على مطلبها بضرورة حظر شراء الأسلحة الإسرائيلية، ومطالبة المحكمة الدولية على مباشرة التحقيق في جرائم الحرب التي ارتكبتها.

يولاندا دياس التي التقت السفير الفلسطيني في مدريد وخمس عشرة منظمة غير حكومية للتداول في هذا العوان الصهيوني الجديد، سبق لها أن نبهت بيدرو سانشس إلى ضرورة ان يتضمن برنامج الحكومة التقدمية المقبلة الاعتراف بدولة فلسطين من دون انتظار إلى حين اعتراف الإتحاد الأوروبي الذي يبدو جليا أنه يماطل. وبهذا الاقتراح تريد زعيمة “سومار” من حكومة بيدرو سانشس القادمة أن تفعل مثل اليونان والسويد عندما اعترفا كل على حدى بالدولة الفلسطينية.

وزيرة حركة “سومار” أدانت بقوة دولة الاحتلال الصهيوني

دياس التي أدانت بقوة دولة الاحتلال الصهيوني باعتبارها دولة عنف وفصل عنصري، طالبت من الإتحاد الأوروبي أن يقود العمل الدولي لفائدة وقف إطلاق الحرب الإجرامية في حق فلسطينيي قطاع غزة بدل معاقبتهم، حيث وصفت اقتراح مفوض الجوار الأوروبي، أوليفر فارهيلي، بالتعليق المؤقت للمساعدات الإنسانية بأنه أمر شائن قبل أن تتراجع عنه في أعقاب الضغط الذي مارسته المظاهرات والمسيرات العارمة المتضامنة مع الشعب الفلسطيني في كل بلدان المعمور.

وكما يجري في العديد من الساحات في بلدان مختلفة ضمنها شيلي والأرجنتين والبرازيل… ثمة تنسيق مكشوف بين جماعات صهيونية واليمين المتطرف الدي أبان مند عملية “طوفان الأقصى”، وفي إسبانيا بالذات كان واضحا للعيان وللمراقب الدولي هذا التنسيق. ففي الأسبوع الماضي توجه أنصار وأتباع الحزب الشعبي وحزب “فوكس” إلى مقر السفارة الإسرائيلية في مدريد للتضامن مع دولة الاحتلال الصهيوني وهي ترتكب أبشع الجرائم الحربية في حق الفلسطينيين المدنيين وأطفالهم ونساءهم أمام أنظار العالم، قاموا بدون حياء لتوجيه انتقاداتهم رفقة مجموعة من الصهاينة إلى اليسار الراديكالي وإلى زعيمته يولاندا دياس التي كانوا يطالبونها بالاستقالة من منصبها الحكومي كوزيرة للعمل والاقتصاد الاجتماعي.

 

Tags: No tags

Add a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *