الصهيونية المعاصرة والقانون الدولي

 

روض نيوز

سبق للكاتب والمفكر العراقي د. عبد الحسين شعبان عندما زار كعادته مقر مجلة “الحرية” الفلسطينية بدمشق،، التي كنت عضوا في هيأة تحريرها ، أن أهداني يوم 14 يناير 1988 كتابه الهام “الصهيونية المعاصرة والقانون الدولي” الصادر عن دار الجليل.

صيغة الإهداء النبيلة باسمه الحركي “أبو ياسر” يقول فيها: “الأخ العزيز روض المصطفى، من المشرق إلى المغرب والصهيونية تلاحقنا، عسى أن أكون قد وفقت في كلمة تلاحقها”.

وبالفعل الكتاب هو عبارة عن دراسة معمقة لظاهرة الصهيونية المعمقة من زاوية القانون الدولي وهو مجال تخصصه، بحيث انطلاقا منه واعتمادا على مراجع لمؤلفات ودراسات كثيرة تناولت الظاهرة الصهيونية، فضلا عن جملة هامة من المواثيق الدولية توفق الدكتور شعبان في ملاحقته لها والكشف عن طبيعة أهدافها وأبعادها.

وفي هذا السياق تشير مقدمة الكتاب إلى أن “أبعاد المشروع الصهيوني برزت بشكل واضح وسافر لا في فلسطين وحدها، بل على الصعيد العالمي، حيث مارست الصهيونية المعاصرة دورا تخريبيا خطيرا ضد الحركة التحررية في بلدان آسيا وإفريقيا ة أمريكا اللاتينية، كما افتضح دورها التخريبي أيضا ضد البلدان الاشتراكية”.

فكرة الصهيونية المعاصرة

والمفكر عبد الحسين شعبان، وهو مثقف بارز داخل الحركة الثقافية العراقية التقدمية ومناضل سابق في الحزب الشيوعي العراقي، فضلا عن كونه كاتب غزير الإنتاج في مقالاته ومؤلفاته، أوضح في كتابه تعريفه الدقيق لظاهرة الصهيونية المعاصرة، “فالصهيونية إيديولوجية، ومنظومة متشعبة وممارسة سياسية للبورجوازية اليهودية الكبيرة، المندمجة بالأوساط الاحتكارية في الولايات المتحدة  الأمريكية والبلدان الإمبريالية الأخرى”، مشيرا إلى انها برزت كحركة سياسية منظمة في أواخر القرن ما قبل الماضي. “وقد صاغ الأب الروحي للحركة الصهيونية تيودور هيرتزل في كتابه الدولة اليهودية” فكرة الصهيونية المعاصرة وهدفها المباشر، القاضي بإنشاء دولة يهودية، وتجميع يهود العالم غير القابلين للذوبان أو الاندماج في الأقوام والشعوب التي يعيشون في ظهرانيها، باعتبارهم “شعب الله المختار” و “المتفرد” و “صاحب الحق الشرعي” في العودة إلى أرض الميعاد. وقد بلور المؤتمر الصهيوني الأول المنعقد في مدينة بال السويسرية عام 1897، هدا الهدف ودعا للتوجه لتحقيق الحلم الصهيوني”.

وأشار شعبان بوضوح إلى أنه منذ البداية استندت الصهيونية، على مسوغات حقوقية وجمعت الحجج  والأسانيد القانونية الزائفة إضافة إلى التاريخية، لتبرير اغتصابها لفلسطين و تشريد شعبها من أرضه”، كاشفا على المبررات الزائفة التي استندت عليها في انتهاكاتها و ممارساتها العنصرية ضد الشعب الفلسطيني، و في الأراضي العربية المحتلة، و عند ضم القدس و الجولان و فرض القوانين، و الأنظمة الإسرائيلية على الضفة الغربية و بقية المناطق المحتلة، وفق مزاعم “حق تقرير المصير”، محاولة اسباغ  “الشرعية” القانونية على تلك الإجراءات و على عدوانها المتكرر ضد الشعوب العربية و تنكرها للحقوق الوطنية المشروعة والثابتة و غير القابلة للتصرف بالنسبة للشعب الفلسطيني.

ويشرح المفكر شعبان الهدف من دراسته بأنه يرمي إلى “فضح وتعرية المزاعم الصهيونية المعاصرة، سواء بشأن دعاواها في فلسطين او في تبرير عدوان “إسرائيل” المتكرر على الشعوب العربية، وتبيان موقف القانون الدولي منها، حيث تتعارض بشكل مطلق وجدري مع قواعد القانون الدولي المعاصر”.

ضرورة نشر الفكر القانوني و تعميق الوعي الحقوقي إزاء الصهيونية

كما يرمي هدف الدراسة، وهدا أمر هام يخص المدافعين عن القضية الفلسطينية في واجهات مختلفة، إلى “نشر الفكر القانوني وتعميق الوعي الحقوقي إزاء الصهيونية المعاصرة وممارسات “إسرائيل”، ودلك لتسليح المناضل العربي  والإنساني، بسلاح مضاف (فكري و سياسي) يستند إلى دعائم حقوقية للنضال ضد الصهيونية المعاصرة و أيديولوجيتها و أساليبها”، مستغربا استهانة البعض بهذا الجانب المهم أو لعدم وضعه في المكان المناسب، حيث يتعاظم و يزداد أهمية و تأثيرا، إضافة بالطيع إلى الجوانب الأخرى المسلحة و السياسية و الدبلوماسية، و يتجلى دلك عند مناقشة قضية الشعب الفلسطيني في أي محفل دولي أو منظمة دولية.

و يضيف في شرح المزيد عن هدف دراسته العلمية المتخصصة إلى انها ترمي كدلك لتفنيد و دحض “الحجج و الدعاوى الصهيونية بشأن اعتصاب فلسطين، و كشف هزال و عدم علمية المسوغات الحقوقية و الأسانيد القانونية، التي حاولت الصهيونية المعاصرة التعكز عليها”، بالَإضافة إلى ما ترمي إليه الدراسة من تسليط الضوء “على انتهاكات و ممارسات (إسرائيل) سواء ما يتعلق بحقوق الشعب الفلسطيني، أو إزاء حقوق الانسان الفلسطيني في المجالات المختلفة، و تبيان تعارض دلك مع ميثاق الأمم المتحدة و لائحة حقوق الإنسان الدولية لعام 1948، و قواعد و قوانين الحرب و مبادئ القانون الدولي المعاصر”.

قام المفكر شعبان بتقسيم دراسته العلمية في المجال القانوني والحقوقي إلى ثلاثة فصول، أوله يتناول موقف الصهيونية المعاصرة من مبدأ حق الأمم في تقرير مصيرها، حيث عمد إلى فحص وتدقيق الفقه القانوني الإسرائيلي، ليكشف عن خلطه وتعارضه مع قوانين وقواعد القانون الدولي المعاصر، وليعرض حقوق الشعب الفلسطيني وفقا لمرجعية ميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي في سياق تناوله لتطور القضية الفلسطينية في الأمم المتحدة وإبراز خصوصية حق تقرير المصير ة إمكانية تحقيقه بصورة واقعية.

العنصرية الصهيونية باعتبارها عقيدة كاذبة و رجعية و عنصرية

وعرض في الفصل الثاني من الدراسة لأهم انتهاكات (إسرائيل) وممارساتها العنصرية الشوفينية بغاية توضيح جوهر الحركة الصهيونية النصرية، بحيث سعى لوضع المعطيات والحقائق القانونية بيد القارئ في محاولة لسد النقض في هدا الجانب، مركزا على “صلة القربى الروحية بين الإيديولوجية الصهيونية والايديولوجية العنصرية، من خلال الرد على المفاهيم الصهيونية الخاصة بموضوع “تفوق” اليهود على الشعوب الأخرى، و “الأمة اليهودية العالمية”، مناقشا موضوع “التعصب الشوفيني و التعالي القومي” و “أبدية السامية” و هي موضوعات تكشف، حسب دراسة شعبان، بصورة ساطعة العنصرية الصهيونية باعتبارها عقيدة كاذبة و خاطئة و رجعية بالمطلق و هي جائرة و خطيرة، مدعما وجهة نظره بعرض و تحليل قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة لعام 1975، حول “مساواة الصهيونية بالعنصرية” الذي جاء فيه بالحرف “الصهيونية هي شكل من أشكال العنصرية و التمييز العنصري”، و هو القرار الذي تآمرت القوى الامبريالية و على رأسها أمريكا بموافقة بعض الأنظمة العربية على اسقاطه خدمة للمصالح السياسية ووالايديولوجية لإسرائيل  وغدرا في القضية الفلسطينية.

و في الفصل الثالث من دراسته المتضمنة في كتابه المشار إليه، عرض المفكر شعبان الموقف الصهيوني من حقوق الإنسان الفلسطيني، حيث كشف جوهر البرنامج الصهيوني، الهادف إلى إقامة دولة يهودية “نقية” و “عالمية” و “كبرى”، و هو ما جعله يدحض بالأدلة القانونية كل الدعاوى و المزاعم الصهيونية و الممارسات الإسرائيلية بشان حقوق الإنسان الفلسطيني، المدنية و السياسية والاقتصادية  والاجتماعية والثقافية انطلاقا من دراسته المعمقة لحقوق الإنسان في الوثائق الدولية مما أدى به إلى الكشف عن الفارق الشاسع و الهوة السحيقة بين ممارسات (إسرائيل) المفعمة بالعنصرية الشوفينية و المفرطة في الغرابة، و بين الوثائق و المواثيق الدولية حول حقوق الإنسان.

مهمة التصدي للعدوان الامبريالي الصهيوني تتطلب فهم القضية الفلسطينية بشكل علمي

ويعتبر شعبان أن مهمة التصدي للعدوان الإمبريالي – الصهيوني ودحر مخططات (إسرائيل)، وإجهاض مؤامرات التسوية الاستسلامية كما كان يروج لها على نطاق واسع، والتي وجدها امتدادا لاتفاقية كامب ديفيد، تتطلب أن “نفهم قضيتنا بشكل علمي أيضا ونختار أصوب وانجح الأساليب والشعارات، لشرحها على النطاق العالمي لإقناع العالم بشرعية وعدالة القضية الفلسطينية وهو ما يستخلص منه أنه “خدمة نقدمها لتعزيز نضالنا ضد الإمبريالية والصهيونية  والرجعية. فالصهيونية لا تعني (إسرائيل) وحدها، بل هي “إمبراطورية” مالية وعسكرية وسياسية وإيديولوجية ودعائية ضخمة نحتاج لمقارعتها والتصدي لها إلى حشد جميع الأسلحة من عسكرية وسياسية واقتصادية وإيديولوجية وحقوقية وتاريخية ودبلوماسية”.

و في الختام يرى ان “معركتنا تحتاج كذلك إلى وضع المعطيات و المعلومات القانونية الكافية امام أنظار الرأي العام الدولي و تنبيهه لمخاطر و شرور الصهيونية المعاصرة ليس على صعيد تنكرها لحق الشعب الفلسطيني و احتلالها للأراضي العربية، بل على الصعيد العالمي”.

                                              الدكتور عبد الحسين شعبان

 

Tags: No tags

Add a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *