عناقيد لذيذة من الضحك الحزين

بقلم: المصطفى روض
يا سلام، أبو قاطع ينقدني من الأحزان!
أتذكر أحد أيام سنة 2020،  كان أكثر الأيام قساوة، من باقي أيام جائحة كورونا منذ أن أطلت على بلدنا بترسانتها اللامرئية، لكي تمارس علينا ما طاب لها من قتل و فتك و نهش و إن كنا لا نراها لا بالنظرة المباشرة و لا بالعين المجردة.
فهذا اليوم، ربما هو الذي بلغ فيه الحزن الدفين منسوبا كاد يجعلني أن أتفجر لأن تأثيره كان قويا على وضعيتي النفسية و الذهنية. و لتفادي الروتين القاتل و الإحساس بوجودي في مكان كأني أسير داخل قبو في مناطق نائية لا يدخلها بشر، و لا يستطيع زيارتها أصدقاء، قمت بمحاولة استنشاق كثيفة للهواء عسى أن أظفر بقليل من الأوكسجين لكي يمكن دورتي الدموية من الاشتغال حتى تخفف عني ما بات لازمة تلازمني كل يوم بسبب الدوالي اللعين. و بعد ذلك، أخذت كتابا و خرجت للمقهى، لكي أعيد قراءته، حيث وجدت فيه خلاصا أنقدني من حزني، و عنوان الكتاب “أبو كاطع: على ضفاف السخرية الحزينة” لمؤلفه الصديق العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان، و يتحدث فيه عن حياة و أدب شمران الياسري الملقب ب “أبو كاطع” الذي عرفته الساحة الثقافية في العراق باعتباره صحفي و روائي، في ذات الوقت، حيث تميزت أعماله الأدبية و الصحفية، منذ الخمسينات حتى الثمانينات، بسخرية يصفها شعبان بأنها مريرة و لاذعة مصبوغة بنكهة شعبية نافذة.
و أشار شعبان في التمهيد للكتاب، إن “أبوكاطع” ظل أمينا لأسلوبه الساخر، سواء في النشر السري، أو في النشر العلني و في ظروف الوطن و المنفى، محاولا تطويع وسيلته الإبداعية، تلبية لهاجس و هدف الكتابة لديه، حين يصطدم المستمع أو القارئ بالكشف عن الظواهر و الأمراض الاجتماعية أو يشير لمشاعر الاشمئزاز و القرف عنده إزاء شخصيات تتصنع “علو الشأن” و تتظاهر بالهيبة، أو بإشراك المتلقي في البحث عن الأجوبة و المعالجات…”، مضيفا، في تحديد لأسلوب “أبو كاطع”، إذا كانت تميزه الفكاهة، فإن ثمة أحزان كانت تغلف فكاهته على نحو عميق. “ربما وجد “أبو كاطع” بعض التخفيف عن عبء حياتنا و مرارتنا، و أوضاعنا حين زودنا بعناقيد لذيذة من الضحك الحزين، لفتح شهيتنا على حياة أيسر و أكثر قدرة على الاحتمال و المواءمة”.
و يقول الكاتب العراقي فاضل الربيعي عن هذا الكتاب، إنه ليس مجرد باقة زهور يتركها عبد الحسين شعبان عند قبر صديقنا “أبو كاطع”، وفاء لذكراه فحسب، بل هو، و في أحد أوجهه، سخرية من اللامبالاة عينها.
و في قصيدته المتضمنة في الكتاب ذاته، يقول الشاعر الفلسطيني راسم المدهون:
…و أبو كاطع في هذي الليلة
مرتحل و بعيد
أعرف بأن الوقت بهذي الليلة يدركني
لكني أبدأ منك
سأدعوك لفاكهة الشجر الذابل
فاكهة النار
رنين الأصوات القادمة إلينا
من ذاكرة تشرق…”
و في قصيدة ثانية بعنوان “بورتريه شمران الياسري “أبو كاطع”، كتبها الشاعر هاشم شفيق عندما توفي “أبوكاطع” يقول فيها:
كان غيما
على صحن فاكهة قرمزية
يذوب فيها
قطرة..
قطرة..
من عذاب البلاد
لم يكن قانعا بالرضا
لم يكن واضعا
فوق صدغيه
واقية كعيون الجواد
كان غيما و لما يزل
ماطرا فوق جذع البلح
قطرة..
قطرة..
من مسيل الفرح
Tags: No tags

Add a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *