dariouch_espana_Raoudnews_mostafa.jpg الإعلام في ظل تحول

الإعلام في ظل تحول العلاقات الاسبانية المغربية

بقلم: جمال المحافظ

 “إسبانيا الآن…تحولات المشهد السياسي الاسباني 2008 ـ 2023 “للإعلامي والباحث نبيل دريوش، كان من بين الإصدارات الجديدة التي جرى تقديمها بالدورة 29 للمعرض الدولي للنشر والكتاب الذي احتضنته الرباط، ما بين 09 و19 ماي 2024، والذي شكل مناسبة لتسليط الضوء على متغيرات  الشأن الداخلي للجارة الشمالية للمغرب، وانعكاساتها على الحياة السياسية في القرن 21الواحد والعشرين.

 وإذا كانت معظم التحليلات والآراء تذهب إلى أن هناك تقصيرا مزمن من جانب الفعاليات السياسية والأكاديمية ومؤسسات المجتمع المدني بالمغرب في الاهتمام واستيعاب التموجات المتسارعة وللمخاض الذي يعرفه الشأن الاسباني على المستويات السياسية والحزبية والإعلامية والمجتمعية، المؤثرة في صناعة القرار، فإن هذا العطب، مرده بالخصوص إلى ندرة الدراسات والمؤلفات المغربية عن إسبانيا، .

 لكن بالمقابل فإن المشاركين في هذا اللقاء الذي نظمه المركز المغاربي بالتعاون مع مجلس الجالية المغربية بالخارج، أثاروا الانتباه إلى وجود اهتمام واسع من قبل المفكرين والمثقفين والسياسيين والدبلوماسيين والأكاديميين الاسبان بالشأن المغربي في مختلف جوانبه، وهو ما يقتضى إيلاء مزيد من الاهتمام بمختلف جوانب الواقع الإسباني، وتكرس البحث بكل موضوعية وتجرد، في تحولاته، خاصة في ظل التحولات الإيجابية في العلاقات بين المملكتين الاسبانية والمغربية المرشحة الى مزيد من التطوير، بفضل مشاريع التعاون بينهما في عدد من الميادين، والتنظيم المشترك بينهما والبرتغال لمونديال كرة القدم سنة 2030.

الآن وغدا

عديدة هي الاقتراحات التي أسفر عنها النقاش حول كتاب ” ” إسبانيا الآن…” منها إعادة تفعيل المبادرات المدنية المشتركة، مع إعادة تقييم شامل لها، مع استحضار دور الصحافة ووسائل الاعلام، الحيوي خاصة في زمن الثورة الرقمية التي أضحت عنصرا أساسيا في تشكيل مزاج الرأي العام الاسباني، حول جارته الجنوبية، ومعها تغيير الصورة النمطية التي اعتاد الاسبان رسمها في مخيالهم عن المغاربة ( المورو )، وهو ما يتطلب  تظافر جهود الطرفين لتجسير العلاقات ما بين الفاعلين في وسائل الاعلام، والانطلاق من التحولات المجتمعية الراهنة، مع الاستجابة لاهتمامات وحاجيات الجمهور.

ويكون من المفيد استعادة دور الاعلام، بكلا البلدين، من خلال تجربة “التناوب التوافقي” بالمغرب ما بين 1998 و2002 والانتقال الديمقراطي في إسبانيا من 1975 الى  1978. إذ بغض النظر عن الاختلافات ما بين التجربتين ، على المستويات التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وحتى النفسية، فإن ما جمع بينهما، إلى حد ما، التشابه في طبيعة المرحلة التاريخية التي مرت بهما كلا التجربتين واشتراكهما في إرادة الفاعلين، أغلبية ومعارضة، في تحقيق انتقال ديمقراطي سلمي وسلس مبني على قاعدة التوافق بين مكونات الطبقة السياسية لطي صفحة الماضي الأليم والتوجه نحو المستقبل عبر الدمقرطة.

فوفق تدبير أعده الجنرال فرانكو الذي حكم اسبانيا، بقبضة من حديد لأزيد من 40 سنة، استلم الملك خوان كارلوس سنة 1975 قيادة الدولة، بعدما توافقت القوى السياسية، يمينها ويسارها، للمضي قدما بالانتقال الديمقراطي، مع ترك الخلافات والصراعات جانبا، والتوجّه نحو المستقبل الذي توج بالمصادقة على دستور جديد.

أما  في المغرب فإن ” التناوب” ، كان ” ثمرة تفاهم وتوافق سياسي” بين الراحل الحسن الثاني و مكونات ” الكتلة الديمقراطية”، من أبرز نتائجه، تشكيل الحكومة رقم 25 في تاريخ المغرب الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بقيادة  عبد الرحمان اليوسفي ( 1926- 2020 ).

ديمقراطية وإعلام

ويعود الانتقال الديمقراطي في إسبانيا إلى “ثلاثة لاعبين رئيسيين”، هم الملك خوان كارلوس الأول، الذي قرر التوجه نحو الديمقراطية مباشرة، وأضولفو صواريث، أول رئيس حكومة منتخب ديمقراطيا، والاشتراكي فليبي غونواليس الذي قضى في رئاسة الحكومة 13 سنة. وشكلت هذه التجربة حالة فريدة للتوافق بين حكومة ديمقراطية ناشئة، وبين وسائل إعلام متعددة التوجهات (فرانكوية، اشتراكية، جهوية…).

وبعد إجراء انتخابات 15 يونيو 1977، تعزز الانتقال الديمقراطي في اسبانيا، باتخاذ عدة قرارات جريئة، منها على الخصوص إعلان العفو العام، والاعتراف بكل الأحزاب بما فيها الحزب الشيوعي، وإعداد دستور جديد، وإلغاء الرقابة على الصحافة، وحذف وزارة الإعلام وإحداث محلها وزارة للثقافة.

وإذا كان الانتقال الديمقراطي يعد دعامة الاتصال السياسي الذي يتأسس من واقع التفاعل في ما بين وسائل الإعلام والسياسة والمواطنات والمواطنين مما يجعله ينطوي على قواعد وتوقعات معيارية تبدو جد معقدة، فإن وسائل الإعلام الإسبانية – على خلاف المغرب-، ساهمت بدور حاسم في احتضان الانتقال الديمقراطي، واجتهدت الصحافة في ترويج خطاب جديد في مجالي السياسة والثقافة، مسايرة بذلك تطور النقاش السياسي في القضايا العامة، في الوقت الذي كان الإعلام في مرحلة ديكتاتورية فرانكو ينزع الطابع السياسي عن اهتمامات الجمهور، مع التركيز على قضايا بعيدة عن انشغالات الرأي العام.

إعلام وتناوب

وإذا كان هذا واقع حال الإعلام في إسبانيا بعد مرحلة فرانكو، فإن “التناوب التوافقي” في المغرب، وإن حظي بترحيب وطني ودولي، فإن التأييد الذي لقيته هذه التجربة في بدايتها من وسائل الإعلام، سرعان ما تحوّل إلى انتقاد لأدائها على صفحات الجرائد، خاصة بعدما “فشلت” الحكومة في إحداث تغيير عميق في قطاع الصحافة والإعلام والعمومي، وفي ظل عجز الطبقة السياسية على فهم متطلبات هذا القطاع الاستراتيجي وخصوصياته المهنية.

فالمغرب وإن عرف، على المستوى السياسي والدستوري والحقوقي، دينامية متواصلة زمن التناوب، إلا أن العلاقة مع وسائل الإعلام ظلت فضاء للتوتر، على الرغم من أن التحول إلى الديمقراطية، في بلدان الانتقال، غالبا ما يفضى إلى نزاعات بين الحكومات والإعلام، فضلا على أن الخلاف حول عدد من المفاهيم، خاصة ما يتعلق منها بحماية القيم الاجتماعية والثقافية والأخلاقية والأمن القومي والنظام العام، تُتخذفي بعض الأحيان، كذرائع لتبرير التدخل السياسي في الصحافة والاعلام.

اعلام وذاكرة

وبالمقابل فإن الكتابة الصحفية، في مرحلة التناوب حول الذاكرة السياسية الوطنية، يلاحظ أنها  عرفت انتعاشا، بشكل ملحوظ، حيث تميز ما كانت تنشره الصحف بجرأة كبيرة في تناول قضايا، كانت تعد من المحرمات إلى حين، بسبب ما يعتبر “خطوطا حمراء” مع الإفراط في ممارسة الرقابة الذاتية لدى معالجة ملفات التاريخ السياسي الوطني.

وفي هذا الصدد تنافست الصحافة المكتوبة، على تقليب صفحات الماضي، وحظيت هذه الحفريات الإعلامية، باهتمام متزايد من لدن الطبقة السياسية ومعها فئات واسعة من الرأي العام، وهو ما مكّن من إحداث نقلة نوعية في التفكير والبحث.

كما سُجل انتعاش ملحوظ في الإقبال على الصحافة، وعرف الأداء المهني نتيجة ذلك تطورا، مع الاستناد في تحليل المادة الصحفية على مقاربات تسند على قواعد المنهج التوثيقي، وتعزز المشهد الصحفي والإعلامي أيضا بالتحاق جيل جديد من الشباب بـ”مهنة المتاعب”، من المتوفرين على تكوين عال.

تداعيات ويقينيات

وإذا كانت الصحافة قد تمكّنت من نفض الغبار عن ملفات الماضي، بطرح تساؤلات حول ظروف وتداعيات بعض الأحداث، فإنها أثارت في المقابل جدلا واسعا، حول وظائف الصحافة، ودور الصحافي ( مؤرخ اللحظة ) في تناول هذه الأحداث، التي عادة ما تكون من اختصاص المؤرخين، مع العلم أن تحرير المادة الصحفية، تختلف عن الكتابة التاريخية، لتعامل الصحافة الفوري مع الأحداث بمنهجية إعلامية وتحويلها إلى مادة صحفية، حتى تكون في مستوى إدراك فئات واسعة من القراء والمشاهدين والمستمعين.

هذه التحولات خلقت، على مستوى أداء الإعلام، واقعا جديدا، وتخلخلت بموجبها يقينيات سادت لردح من الزمن حول فصول من أحداث الماضي التي طرحت وفق مقاربات مستجدة، وأعيد قراءتها وتحليلها بدون قيود في مرآة الصحافة. وخلقت هذه الوقائع المنشورة جدلا واسعا بين مختلف الأطراف الحزبية والحكومية والإعلامية، ومعها طرحت إشكاليات متعددة من قبيل ما هي حدود التّماس بين الفاعل السياسي والصحافة، ودور الإعلام في زمن التناوب التوافقي.

 استقلالية الصحافة

وإذا كانت الصحافة الإسبانية، قد تمكنت، خلال مرحلة الانتقال الديمقراطي، من التحول إلى أدوات اتصال مستقلة عن الحكومة وذات خط تحريري يعكس توجهات القائمين عليها بفضل أجواء الحرية ما بعد فرانكو، وساعد الإعلام على ترسيخ الديمقراطية، والارتقاء بمستوى العمل الصحفي، فإنه على العكس من ذلك سادت أجواء من التوتر زمن التناوب ما بين الصحافة والدولة، وانصب الجدل حول العلاقة الملتبسة في مراحل الانتقال الديمقراطي بين الفاعل السياسي والفاعل الإعلامي.

فالتناوب وإن ” لم يكن تلك العصا السحرية التي تحقق المعجزات “، فإن وسائل الإعلام، جعلت قطاعات عريضة من المجتمع المغربي، تتوق إلى ” استعادة السنوات الضائعة “، لكن ابتداء من أواخر سنة 2000، وبعد ” الخروج عن المنهجية الديمقراطية ” في 2002 بتعيين وزير أول تكنوقراطي من خارج الأحزاب السياسية، ” وقع إحكام للقبضة من جديد على الصحافة، حيث تعرضت ثلاث جرائد للمنع من الصدور، ليس بحكم قضائي، وإنما بقرار حكومي.

الإعلام_المغرب_إسبانيا_Raoudnews_mostafa-1.jpg

الإعلام_المغرب_إسبانيا_Raoudnews_mostafa-1.jpg
ارهاب_إفريقيا_Raoudnews_mostafa_raoud.jpg إفريقيا ضحية الارهاب

إفريقيا ضحية الإرهاب والنهب والانقلاب (1/4)

​بقلم: سعيد الكحل

صدر عن الأمم المتحدة، في شهر فبراير 2024، ينبه إلى خطورة انتشار الآلاف من مقاتلي تنظيمي «القاعدة» و«داعش» في مناطق مختلفة من قارة أفريقيا، وخصوصاً في منطقتي الساحل والقرن الأفريقي، بحيث وصل التهديد الإرهابي إلى ذروته في القارة الأفريقية التي تواجه، بخلاف بقية القارات، ثلاثة مخاطر مشتركة ومتداخلة، تقوض أمنها وتصادر حق شعوبها في التنمية والكرامة والديمقراطية؛ وهي الإرهاب، النهب والانقلاب. وضعية جعلت إفريقيا تعيش مفارقة صارخة: غنى الموارد البشرية والطبيعية والثروات، وفقر معظم شعوبها ودولها. ترتب عن تلك المخاطر أن 230 مليونا من ساكنة القارة يعانون من سوء التغذية، وفق برنامج الغذاء العالمي. فيما يرى الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، أن أفريقيا، تعاني من واحدة من أكثر الأزمات الغذائية إثارة للقلق منذ عقود، بحيث تؤكد تقارير هاتين الهيئتين أنه «يعاني حوالي 146 مليون شخص من انعدام حاد للأمن الغذائي، وهم بحاجة إلى مساعدة إنسانية طارئة». فإفريقيا تمتلك نحو 65 في المائة من مساحة الأرض الزراعية الصالحة للزراعة في العالم، و60 في المائة من ثروتها البشرية تقل أعمارهم عن سن 25. كما تمتلك دول إفريقيا 98% من الكروم في العالم، و90% من الكوبالت، و90% من البلاتين، و70% من الكولتان، و70% من التانتاليت، و64% من المنغنيز، و50% من الذهب، و33% من اليورانيوم، بالإضافة إلى نسب هامة من احتياطات العالم من معادن مثل البوكسيت والماس والتانتالوم والتونغستين والقصدير. كما تمتلك 12% من احتياطات النفط المعروفة، و8% من احتياطات الغاز الطبيعي. في 2012 قدّرت الأمم المتحدة بأنّ الموارد الطبيعية للقارة تشكّل 77% من مجمل وارداتها، و42% من مجمل عائداتها الحكومية. وتشكل القارة الإفريقية سوقا استهلاكية ضخمة ومغرية بنحو 1.3 مليار نسمة.

خطر الإرهاب.

إن الموارد الطبيعية التي تزخر بها إفريقيا، والهاشة الأمنية التي تعاني منها دول الساحل، تجعل من القارة البيئة الجاذبة للتنظيمات الإرهابية، لدرجة أن داعش بصدد إقامة دولة “الخلافة” في منطقة الساحل بعد انهيار دولته في العراق وسوريا إثر الضربات القوية التي تلقاها من دول التحالف الدولي. وقد مكنت سيطرة داعش على مناطق شاسعة تضم المناطق الريفية الممتدة من جاو في الشمال إلى دورى في الجنوب ومن نتيليت في الغرب إلى منطقة تاهوا الحدودية في الشرق. بحيث أصبحت البلدات، بما في ذلك أندريرامبوكان وإنديليمان وتين حماة، بمثابة عواصم شبه إدارية لدولة داعش التي تتشكل تدريجيا في الساحل.

تستغل التنظيمات الإرهابية الصراعات الحدودية بين الدول في النمو والتكاثر والانتشار والسيطرة على الموارد الطبيعية، والدخول في تحالفات وعلاقات فيما بينها ومع بعض حكومات المنطقة. الأمر الذي رفع من نسبة العمليات الإرهابية وضاعف من أعداد الوفيات والنازحين. فحسب مؤشر الإرهاب العالمي لسنة 2023، فإن تأثير العمليات الإرهابية حول العالم عرف زيادة في عدد الضحايا بمعدل وصل إلى 22% ليكون العدد الإجمالي للضحايا 8352 ضحية، رغم أن عدد العمليات الإرهابية الإجمالية قد انخفض بنحو 23% ليكون 3350 هجوماً إرهابياً خلال عام 2023. ففي الوقت الذي انحسرت فيه الاعتداءات الإرهابية بشكل ملحوظ في الدول الغربية، بتنفيذ نحو 23 عملية إرهابية، أي بانخفاض يعادل 55% عن سنة 2022، نجد أن الاعتداءات الإرهابية تركزت أساسا على: أفريقيا جنوب الصحراء، شمال أفريقيا والشرق الأوسط، بالإضافة إلى جنوب آسيا، حيث سقط في هذه الأقاليم 94% من ضحايا الاعتداءات الإرهابية لسنة 2022. واستحوذت أفريقيا جنوب الصحراء وحدها على 59% من عدد ضحايا هذه الاعتداءات، خاصة بوركينافاسو ومالي والنيجر. وكشف تقرير مؤشر الإرهاب العالمي 2023، عن زيادة بنسبة 50 % في الوفيات عن سنة 2022. كما سجل ارتفاع العمليات الإرهابية في المنطقة بأكثر من 2000 % خلال السنوات الـ 15 الماضية. وبحسب المنظمة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا «الإيكواس»، فإن منطقة غرب أفريقيا سجلت أكثر من 1800 هجوم في الأشهر الستة الأولى من عام 2023، مما أدى إلى مقتل ما يقرب من 4600 شخص، بالإضافة إلى نزوح 6.2 مليون شخص داخليا وما يقرب من نصف مليون لاجئ داخل المجموعة المكونة من 15 دولة. وأوضح التقرير أن الفترة الممتدة من يناير إلى 30 يونيو 2023، عرفت وقوع 2725 هجوماً في بوركينا فاسو، و844 في مالي، و77 في النيجر، و70 هجوماً في نيجيريا، أدت جميعها إلى مقتل 4593 شخصاً. بل إن الهجمات الإرهابية امتدت إلى بنين وتوغو اللتين تطلان على المحيط الأطلسي، مما يعد مؤشرا خطيرا على توسع الإرهاب إلى الدول الساحلية.

وقد اعتمدت التنظيمات الإرهابية تكتيكا مغايرا يقوم على تركيز عملياتها في مناطق بعينها بدل تشتيت قدراتها لتشمل رقعة جغرافية أوسع وذلك بهدف إسقاط ضحايا أكثر. وقد صنفت 7 دول إفريقية ضمن خانة الدول التي تواجه تهديدا إرهابيا مرتفعا، ويتعلق الأمر بكل من بوركينافاسو ومالي والصومال ونيجيريا والنيجر والكاميرون والكونغو الديمقراطية وموزمبيق.

وفي حالات كثيرة، يشن الهجمات الإرهابية في الساحل أشخاصٌ يسميهم محللو المؤشر «المتشددين المجهولين»، الذين لا يوالون أياً من الشبكات الإرهابية الراسخة مثل تنظيم داعش. وتحدث المحللون عن كثرة حدوث الهجمات بسبب المظالم المحلية، مثل سوء الخدمات الحكومية أو نقص الفرص الاقتصادية، وليس التعاطف مع داعش أو أمثاله.

وشهدت منطقة الساحل تصعيدا أكبر منذ منتصف 2017، حيث تزايدت العمليات الإرهابية المنسوبة إلى تحالف جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) وداعش (الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى) (ISGS) بسبعة أضعاف.

وقد ترتب عن تزايد الأنشطة الإرهابية واتساع نطاقها أن صارت دول الساحل عاجزة كليا عن بسط نفوذها على كامل ترابها الوطني (بوركينافاسو مثلا تسيطر فقط على 60 % من مجموع أراضيها. الأمر الذي يجعل الجزء المهم الغني بالذهب خارج سيطرة الدولة). وقد تمكنت التنظيمات الإرهابية، خلال الفترة من 2007 حتى 2022 من شن (6408) هجومًا إرهابيًّا أسفر عن مقتل (22074) شخصًا. مما جعل بوركينافاسو تحتل المرتبة الأولى في مؤشر الإرهاب العالمي. إذ شهدت بوركينا فاسو 67 % من الوفيات(7762)المرتبطة بالتنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل لسنة 2023؛ أي أكثر من ضعف عدد الوفيات المسجلة في عام 2022. أما مالي فتحتل الرتبة الثالثة بعد أن كانت تحتل المرتبة الرابعة سنة 2023؛ والنيجر الرتبة العاشرة للعام الثاني على التوالي.

عموما فإن منطقة الساحل والصومال وحوض بحيرة تشاد تمثل الآن 99 % من الوفيات المرتبطة بالتنظيمات الإرهابية في إفريقيا. وزاد من تعقيد وضعية هذه الدول الصراعات الإثنية والانقلابات العسكرية (بين 2020 و 2023 شهدت القارة الإفريقية 20 محاولة انقلاب).

ومن جهته نشر مركز إفريقيا للدراسات الاستراتيجية، أحد الأقسام التحليلية في البنتاجون، تقريرًا في غشت 2022 ذكر أن الهجمات الإرهابية في أفريقيا ارتفعت بنسبة 300% خلال العقد الماضي مع تضاعف الهجمات العنيفة في السنوات الثلاث الماضية فقط.

استنادا إلى تقرير “مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية” الصادر في 5 مارس 2024، يتوزع ضحايا الإرهاب في إفريقيا على الشكل التالي:

منطقة الساحل والصومال.

تمثل الأعمال الإرهابية في منطقة الساحل والصومال 77 في المائة من إجمالي الأعمال الإرهابية المعلن عنها في جميع أرجاء قارة أفريقيا في عام 2022. إذ ارتفع عدد القتلى بنسبة مثيرة للقلق بلغت 48 في المائة مقارنة بالعام 2022؛ ويقدر عدد الوفيات المرتبطة بالتنظيمات الإرهابية بنحو 11643 شخصا، وهو رقم قياسي منذ ذروة العمليات الإرهابية لبوكو حرام سنة 2015. الأمر الذي جعل أعداد الوفيات بالمنطقة ترتفع بنسبة ثلاثة أضعاف عن مستوياتها في عام 2020، عندما وقع أول انقلاب عسكري في المنطقة – والذي تم تبريره ظاهريًا على أساس انعدام الأمن. وبهذا تمثل الوفيات في منطقة الساحل 50 % من مجموع الوفيات المرتبطة بالتنظيمات الإرهابية المبلغ عنها في القارة عام 2023 بعد أن كانت تمثل 30 % من الوفيات المرتبطة بهذه التنظيمات في القارة عام 2020. ويمثل تحالف جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM)  أخطر تلك التنظيمات بنسبة 81 % من الجرائم الإرهابية في منطقة الساحل؛ حيث وصل عدد القتلى  إلى9195   مقابل5499   في عام 2022. في المقابل، شهدت الوفيات المرتبطة بتنظيم داعش (( ISGS انخفاضًا بنسبة 7% عام 2023 (وصولاً إلى2448  حالة وفاة). وشهدت بوركينا فاسو 67 % من الوفيات المرتبطة بالتنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل (7762). ويمثل هذا الرقم ضِعف عدد الوفيات المسجلة في عام 2022. أما مالي فشهدت ما نسبته 34 % من الأعمال الإرهابية المبلغ عنها في المنطقة (1014 هجوم و2863 حالة وفاة). فيما عرفت دولة النيجر، زيادة في الأعمال الإرهابية بنسبة 9 % منذ عام 2022 (وصولاً إلى 231 عملية تم الإبلاغ عنها) بحيث قفزت الوفيات بنسبة 48 % (793)، غالبيتها العظمى (93 بالمائة) ارتكبت ضد المدنيين من طرف داعش (242 حالة وفاة). وتشير التقديرات إلى أن هناك أكثر من 330 ألف لاجئ و 2.5 مليون نازح داخليًا من بوركينا فاسو ومالي والنيجر، ضمنهم أكثر من مليوني نازح داخليًا في بوركينا فاسو وحدها.

إلا أن حالة الصومال تظل لافتة للانتباه بسبب الارتفاع في عدد العمليات الإرهابية بنسبة 133 % سنة 2022 من طرف حركة الشباب على الخصوص. كما تم الإعلان عن 6225 حالة وفاة مرتبطة بحركة الشباب، بزيادة 2606 عن سنة 2021، وهو عدد قياسي يتخطى إجمالي أعداد القتلى في عامي 2020و2021. ويمثل هذا 37 % من مجموع العمليات الإرهابية في أفريقيا، وهو أقل بقليل مما حدث في منطقة الساحل.

حوض بحيرة تشاد.

 يشكل حوض بحيرة تشاد ثالث أكبر المواقع من ناحية الوفيات في القارة، حيث يمثل 16 % من إجمالي الوفيات المرتبطة بالتنظيمات الإرهابية؛ إذ بلغ عدد الوفيات 3769 شخصا سنة 2023. وغالبية تلك الأعمال الإرهابية مرتبطة بتنظيم بوكو حرام وتنظيم داعش “الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا” (ISWA).

شمال موزمبيق.

شهد مستوى الأعمال الإرهابية في موزمبيق انخفاضًا بنسبة 71 %، إذ تم الإبلاغ عن 127 عملا إرهابيا و260 حالة وفاة في عام 2023. ويُعزى هذا الانخفاض إلى الهجوم الذي شنته سنة 2023، مجموعة تنمية الجنوب الإفريقي (SADC) والقوات الرواندية التي تم نشرها في يوليو 2021 لمساعدة الجيش الموزمبيقي على طرد الإرهابيين من مدينتي بالما وموكيمبوا دا برايا، واستعادة 90 % من الأراضي التي كانت تحت سيطرة الإرهابيين ودفعهم إلى المناطق الريفية في الجزء الشمالي الشرقي من منطقة ماكوميا.

شمال إفريقيا.

عرف شمال إفريقيا انخفاضا في الأعمال الإرهابية بنسبة 98 %خلال العام 2023؛ بحيث لم يتم التبليغ سوى عن 4 عمليات، مما نتج عنه انخفاض بنسبة 98 % في عدد الوفيات المرتبطة بهذه العمليات لتصل إلى 7 وفيات، بعدما بلغت 4097 حالة وفاة في عام 2015. وتركز التهديد الإرهابي في شمال إفريقيا في المقام الأول داخل شبه جزيرة سيناء المصرية التي عرفت وقوع 156 هجوما إرهابيا سنة 2022 لينخفض إلى هجوم واحد استهدف الجيش المصري في سيناء في فبراير 2023. وعلى الرغم من هذا التراجع في الأعمال الإرهابية في هذه المنطقة، تعتقد الأمم المتحدة وغيرها من الهيئات أن داعش والقاعدة بليبيا لا يزالان يشكلان تهديدا مستمرا بالمنطقة.

ذكر تقرير لمؤشر الإرهاب العالمي لعام 2024 أن الجماعات الإرهابية مرت بعدة تطورات؛ فتاريخيًّا كان هناك نوعان من الجماعات النشطة في إقليم الساحل؛ الأولى: جماعات محلية ركزت على مشكلات المواطنين، وكانت دائمًا ما تعلن معارضتها للسياسات الحكومية الانتقائية، وانقسمت تلك الجماعات لعدة فروع ما بين عرقية وقومية ودينية، وفقًا لطبيعة أيديولوجيتها، وكان أبرزها “أنصار الدين” و”المرابطون” و”كتيبة ماسينا”، أما النوع الآخر من الجماعات فتعرف بالجماعات الجهادية العابرة للحدود، والتي تملك صلات وثيقة بالقاعدة أو بداعش، مما أدى لظهور ما تم تسميته بجهاد اللصوصية، حيث قامت تلك الجماعات الإجرامية باستخدام الدين للدفاع عن أعمالها الإجرامية كتنظيمي “القاعدة” و”داعش”، وتمكنت من التمركز في الأقاليم الحدودية المهمشة حيث ضعف القبضة الأمنية، وارتفاع معدلات الغضب الشعبي نتيجة التهميش الحكومي لأحوال الساكنة، لتتمكن بذلك الجماعات الإرهابية من استقطاب المواطنين وتوسيع القاعدة الشعبية لها، مستغلة حالة الفقر وتدهور الأوضاع الاجتماعية لتلك المناطق.

lkhal_said_adala_walihsan_Raoudnews_mostafa.jpeg
lkhal_said_adala_walihsan_Raoudnews_mostafa.jpeg
raoud_foto_Raoudnews_mostafa.jpg الإسلاموية، اليهودية

الإسلاموية، اليهود واليسار العربي

*بقلم: المصطفى روض

إن الحكاية التي تخلط بين اليهودية والصهيونية، والتي لا يكف بعض اليساريين في أمريكا اللاتينية ودول العالم الغربي عن ترديدها بحجج واهية و التي تضر بالقضية الفلسطينية سياسيا وأيديولوجيا، لها أوجه تشابه في العالم العربي، حيث تتقاطع مع مواقف النشطاء من أحزاب الإسلام السياسي الذين يدعمون فلسطين من منظور ثيوقراطي دون أن يفهموا أنهم يؤثرون على القضية الفلسطينية ويعملون على تعزيز موقف الاحتلال الصهيوني في الوقت الذي يعتقدون أنهم يقاتلون لإسقاطه.

ديناميات أكبر على مستوى الفكر الثوري

خلال فترة الاتحاد السوفييتي كانت هناك جبهة أممية تميزت بتحالف الدول الاشتراكية في أوروبا الشرقية مع الأحزاب الشيوعية من جميع أنحاء العالم. وكان هدف هذه الجبهة التقدمية هو مواجهة الإمبريالية الأمريكية من أجل إسقاطها على الساحة العالمية، حيث أن القضية الفلسطينية كانت دائما حاضرة في النضال المناهض للإمبريالية في تلك الجبهة، التي تعتبرها قضية ذات أولوية ليس فقط. لأنها تعاني من عدوان ومظالم الاحتلال الصهيوني والدعم غير المشروط الذي تقدمه لها الإمبريالية الأمريكية، وكذلك بسبب ديناميتها الأكبر على مستوى الفكر الثوري الذي حافظت عليه الحركة الوطنية الفلسطينية كسلاح أيديولوجي وسياسي ضد الصهيونية، وكذلك ضد الأنظمة العربية الرجعية الحليفة للولايات المتحدة.

وأذكر جيداً أن الديناميكية المذكورة نشأت في منتصف الستينيات مع تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، التي شكلتها فصائل فلسطينية، معظمها يسارية، ذات خط إيديولوجي ماركسي وماركسي لينيني، وكانت تمثل الشرعية الشعبية للشعب الفلسطيني كما تجسده مؤسسة الثورة الفلسطينية المسماة “المجلس الوطني” وهو برلمان في المنفى.

فلسطين أيقونة اليسار العربي

بينما في العالم العربي كانت القضية الفلسطينية في تلك المرحلة ركيزة أو أيقونة أساسية لنضال أحزاب اليسار العربي، وخاصة اليسار الجديد، الذي كانت العديد من مكوناته مستقلة عن الاتحاد السوفييتي، وفي الوقت نفسه يعتبرونها قضية مركزية في كل الدول العربية، وفي المغرب قضية وطنية؛ ولم يكن هناك أدنى شك في أن الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين هو مخطط طبقته الحركة الصهيونية بالتنسيق مع الدول الرأسمالية في العالم الغربي، وخاصة إنجلترا. فالاحتلال الصهيوني قضية سياسية وليست دينية، وهو الصهيونية ليست قضية يهودية، بالرغم من أن الصهيونية استخدمت الحجج الدينية للتمويه بذرائع من كتاب اليهودية المقدسة.

الإسلاموية تضر بالقضية الفلسطينية

لقد تأثر الشعب الفلسطيني باحتلال أراضيه منذ عام 1948، وهو منذ هذا التاريخ ضحية كافة أنواع الإبادة الجماعية والمجازر والفصل العنصري ومصادرة حقوقه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

العالم العربي مليء بالمفارقات السياسية عندما يتعلق الأمر بضرورة بقاء شعوبه وحكوماته على موقف حازم في الدفاع عن القضية الفلسطينية، ورغم أن النضال من أجل التحرير الوطني للأراضي الفلسطينية كان في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات يتميز بديناميكية قوية ارتكزت على دعم الحركات السياسية الشعبية والمؤسسات البرلمانية وأغلبية الحكومات العربية التي مولت نضال منظمة التحرير الفلسطينية.

لكن النضال الفلسطيني عانى من أزمة قاتلة بسبب عوامل كثيرة مثل خيانة الحكومات العربية، والخطأ الذي ارتكبه الزعيم عرفات عندما وقع على اتفاق أوسلو، وتدهور مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وصعود السلطة الفلسطينية. أحزاب الإسلام السياسي التي تمثل استراتيجية أصولية تهدف إلى أسلمة فلسطين بعد  تحريرها بأسلوب الجهاد وهو مفهوم ثيوقراطي، حيث أن هذه الاستراتيجية لا تتعارض فقط مع استراتيجية منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها التقدمية، بل إنه يؤثر كدلك على الوعي السياسي للمجتمع الفلسطيني بالأسلمة وبالتالي يعيق الديناميكية الحقيقية المبنية على الرؤية القومية العلمانية التقدمية لتحرير الأراضي الفلسطينية من الاحتلال الصهيوني وإقامة الدولة الوطنية الفلسطينية.

المصطفى روض| صحافي مغربي*

:هدا المقال نشر في الأصل بالموقع الإسباني “نويفا تريبونا” و أعاد نشره الموقع الإسباني “لايسيسمو”. أنظر الروابط أدناه

Islamismo, judíos e izquierda árabe (nuevatribuna.es)

Islamismo, judíos e izquierda árabe · por Mostafa Raoud – El Observatorio del laicismo

lkhal_said_adala_walihsan_Raoudnews_mostafa.jpeg إفريقيا ضحية الارهاب

لا يمكن محاربة الفساد بأحزاب فاسدة

 بقلم: سعيد الكحل

نص دستور 2011 في الفصل 36 على معاقبة “المخالفات المتعلقة بحالات تنازع المصالح، وعلى استغلال التسريبات المخلة بالتنافس النزيه، وكل مخالفة ذات طابع مالي”. كما ألزم السلطات العمومية بالتصدي لكل “أشكال الانحراف المرتبطة بنشاط الإدارات والهيئات العمومية، وباستعمال الأموال الموجودة تحت تصرفها، وبإبرام الصفقات العمومية وتدبيرها، والزجر عن هذه الانحرافات”. وشدد، في المقابل على “يعاقب القانون على الشطط في استغلال مواقع النفوذ والامتياز، ووضعيات الاحتكار والهيمنة، وباقي الممارسات المخالفة لمبادئ المنافسة الحرة والمشروعة في العلاقات الاقتصادية”. كما نص على إحداث “هيئة وطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها”، والتي خرجت إلى النور سنة 2015، حيث وضعت “الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد” برؤية» توطيد النزاهة والحد من الفساد بالمغرب بشكل ملموس في أفق 2025  « جاعلة من أهدافها الأساسية:

ــ جعل الفساد في منحى تنازلي بشكل ملموس وبصفة مستمرة وتعزيز ثقة المواطنين؛

ــ تحسين نزاهة مناخ الأعمال وتموقع المغرب دولياً.

بعد تسع سنوات من تأسيس هيأة النزاهة ووضع إستراتيجية محاربة الفساد، لم يشهد ترتيب المغرب في مؤشر مدركات الفساد تحسنا؛ بل تراجع إلى المرتبة 97 عالميا من أصل 180 دولة، بعدما كان يحتل المرتبة 88 سنة 2015، والمرتبة 80 من بين 183 دولة سنة 2011. الأمر الذي يستوجب البحث عن أسباب فشل استراتيجية مكافحة الفساد في تحقيق أهدافها؛ إذ لم يعد يفصلها عن أفق 2025 سوى أشهر معدودة. ولا تتعلق الأسباب بالإطار الدستوري، فهو واضح في إلزام الحكومة بالتصدي للفساد ووجوب ربط المسؤولية بالمحاسبة، والتي شدد عليها جلالته في خطاب العرش 2017:” وهنا أشدد على ضرورة التطبيق الصارم لمقتضيات الفقرة الثانية، من الفصل الأول من الدستور التي تنص على ربط المسؤولية بالمحاسبة.. إننا في مرحلة جديدة لا فرق فيها بين المسؤول والمواطن في حقوق وواجبات المواطنة، ولا مجال فيها للتهرب من المسؤولية أو الإفلات من العقاب”.

إلى جانب الإرادة الملكية، فإن كل المقومات الدستورية والقانونية متوفرة لربط المسؤولية بالمحاسبة. فالدستور واضح، في أكثر من فصل، بوجوب إخضاع كل مسؤول إلى المحاسبة وعدم إفلاته من العقاب كما هو واضح في الفصل الأول من الدستور: “يقوم النظام الدستوري للمملكة على أساس فصل السلط، وتوازنها وتعاونها، والديمقراطية المواطنة والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة”، أو في الفصل 154 الذي ينص ” تخضع المرافق العمومية لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية، وتخضع في تسييرها للمبادئ والقيم الديمقراطية التي أقرها الدستور”.

أما الإطار القانوني ففيه ما يكفي من الفصول لمحاسبة الفاسدين والمرتشين والمخلين بمسؤولياتهم، وعلى رأسها الفصل 36 الذي يوجب “على السلطات العمومية الوقاية، طبقا للقانون، من كل أشكال الانحراف المرتبطة بنشاط الإدارات والهيئات العمومية، وباستعمال الأموال الموجودة تحت تصرفها، وبإبرام الصفقات العمومية وتدبيرها، والزجر عن هذه الانحرافات. يعاقب القانون على الشطط في استغلال مواقع النفوذ والامتياز، ووضعيات الاحتكار والهيمنة، وباقي الممارسات المخالفة لمبادئ المنافسة الحرة والمشروعة في العلاقات الاقتصادية”. كل هذه الترسانة القانونية والدستورية استعصى عليها مواجهة الفساد ونهب المال العام بكل جدية وصرامة. الأمر الذي يستدعي البحث عن الخلل في مواضع أخرى.

في سنة 1796، وجّه الرئيس الأمريكي جورج واشنطن انتقادات شديدة للأحزاب السياسية لكونها أتاحت الفرصة لرجال “مخادعين وطموحين وبلا مبادئ لتقويض سلطة الشعب”. فالوضعية التي عليها الأحزاب المغربية اليوم لا تختلف عن تلك التي انتقدها الرئيس الأمريكي. فقد فتحت أبوابها للعناصر الفاسدة والمرتشية فطبّعت مع الفساد وعطّلت الدستور وخرقت القانون؛ مما وفّر الحماية لتلك العناصر التي نجدها في البرلمان كما نجدها في المجالس الترابية. وسبق لجلالته أن دعا الأحزاب إلى حسن اختيار مرشحيها لتدبير الشأن العام كما في خطاب 30 يوليوز 2016 (أدعو الأحزاب لتقديم مرشحين، تتوفر فيهم شروط الكفاءة والنزاهة، وروح المسؤولية والحرص على خدمة المواطن). لقد تجاهلت الأحزاب الدعوة الملكية فأفرزت حكومات وبرلمانات تفتقر للإرادة السياسية القوية لمحاربة الفساد ومحاسبة المفسدين. وهذا ما نبّهت إليه “رسالة النزاهة5” التي أصدرتها “الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها” في مارس 2024، حيث وجهت انتقاداتها إلى عجز الحكومة وعدم رغبتها في محاربة الفساد وأرجعت انتشاره إلى عاملين اثنين. أولهما: “المسؤولون الذين ينتهكون القانون ويعرضون أنفسهم للفساد لا تتم متابعتهم بشكل كاف”؛ ثانيهما: “عدم قدرة الحكومة على احتواء الفساد وعدم وجود آلية للنزاهة”.

لا يمكن، إذن، محاربة الفساد بأحزاب ينخرها الفساد ويعشش فيها المفسدون. ذلك أن الفساد، كما جاء في الرسالة التي وجهها جلالة الملك إلى القمة الـ 31 للاتحاد الإفريقي التي انعقدت، بالعاصمة الموريتانية نواكشوط تحت شعار “كسب المعركة ضد الفساد: مسار مستدام لتحويل إفريقيا” يوليوز 2018:“الفساد يساهم في الانحراف بقواعد الممارسة الديمقراطية، وفي تقويض سيادة الحق والقانون؛ كما يؤدي  إلى تردي جودة العيش، وتفشي الجريمة المنظمة، وانعدام الأمن والإرهاب”. هذه الانحرافات متفشية في واقعنا المغربي وكشفت عنها تقارير المجلس الأعلى للحسابات دون أن تكون للحكومات المتعاقبة الإرادة القوية لمحاكمة ومحاسبة كل المتورطين، تنفيذا للتوجيه الملكي (فمحاربة الفساد هي قضية الدولة والمجتمع: الدولة بمؤسساتها، من خلال تفعيل الآليات القانونية لمحاربة هذه الظاهرة الخطيرة، وتجريم كل مظاهرها، والضرب بقوة على أيدي المفسدين). خطورة الفاسدين أنهم ينهبون المال العام ويحرمون المواطنين من الاستفادة من المشاريع التنموية ومن فرص الشغل والخدمات الاجتماعية في تواطؤ مع المسؤولين في المجالس المحلية الذين افتحص قضاة المجلس الأعلى للحسابات صفقات التجهيز التي أشرفوا عليها دون أن تطالهم يد العدالة باستثناء أقلية قليلة منهم بعد أن صارت فضائحهم قضية رأي عام. وسبق للسيد إدريس جطو أن أكد أمام البرلمانيين، سنة 2020، أن المجلس ينجز ما بين 40 و 50 تقريرا افتحاصيا كل سنة، وأن المجالس الجهوية للحسابات تقوم تقريبا ب 250 مهمة رقابية واستطلاعية، وأن ھذه التقاریر لا تؤخد بعین الاعتبار من قبل الحكومة و البرلمان وتمر دون مناقشتھا أو الاشتغال علیھا وھي تقاریر مھمة تبرز النواقص و الاختلالات في القطاعات التي یتم افتحاصھا و مراقبتھا، وأن “فيها ما يكفي وهي تقارير جد مهمة للاقتصاد الوطني”.

وتكفي إطلالة سريعة على الحساب الإداري للمجالس الترابية لاكتشاف حجم النهب والتبذير بمبررات محاربة الجردان والكلاب الضالة ورغم ذلك لا تخلو مدينة من هذه الكائنات التي تهدد سلامة وصحة المواطنين، فضلا المبالغ الكبيرة المرصودة لتنقل الأعضاء وحفلات الاستقبال والمحروقات وقطع الغيار للأليات التي لم تعد صالحة للاستعمال. أما الملايير المرصودة للمشاريع الوهمية فحدث ولا حرج. كل هذا الفساد تمارسه وتشرف عليه الكائنات الانتخابية التي تنخر الأحزاب والمؤسسات المنتخبة حتى صارت لها سطوة جعلتها عصية على المحاسبة.

نحن، إذن، أمام وضع شاذ قال عنه جلالته (وأمام هذا الوضع، فمن الحق المواطن أن يتساءل: ما الجدوى من وجود المؤسسات، وإجراء الانتخابات، وتعيين الحكومة والوزراء، والولاة والعمال، والسفراء والقناصلة، إذا كانون هم في واد، والشعب وهمومه في واد آخر؟ فممارسات بعض المسؤولين المنتخبين، تدفع عددا من المواطنين، وخاصة الشباب، للعزوف عن الانخراط في العمل السياسي، وعن المشاركة في الانتخابات. لأنهم بكل بساطة، لا يثقون في الطبقة السياسية، ولأن بعض الفاعلين أفسدوا السياسة، وانحرفوا بها عن جوهرها النبيل”. إن خطورة الفساد وعدم ربط المسؤولية بالمحاسبة لا تقتصر على فقدان الثقة في الأحزاب السياسية، بل تتجاوزها إلى الاقتصاد حيث تكلّف المغرب 5 % من الناتج الداخلي الخام، حسب الجمعية المغربية لحماية المال العام. الأمر الذي ينعكس مباشرة على تصنيف المغرب في مؤشر التنمية حيث احتل الرتبة 120 عالميا. ولا مخرج من هذا الوضع إلا بتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة عبر تحويل كل التقارير المنجزة من طرف المجلس الأعلى للحسابات على أنظار العدالة للبت فيها بالسرعة المعقولة التي لا تترك مجالا للمتورطين في الفساد للمناورة. وقد أثبتت التجربة المغربية أن أولى مداخل محاربة الفساد: إخراج وزارة العدل من العباءة الحزبية وجعلها وزارة للسيادة ضمانا للنزاهة وللفعالية، تفعيل قانون “من أين لك هذا” ثم تشديد عقوبة الإثراء غير المشروع.

habchi_ahmed_Raoudnews_mostafa_raoud.jpeg مسارات مشتركة

       في معركة الانعتاق

 

بقلم: أحمد حبشي

      يتسع تاريخ المجتمعات الإسلامية لنقاش عميق استغرق ما يقارب القرنين، تباينت فيه الآراء وتعددت وجهات النظر، حول الموقع الاجتماعي للمرأة ومجال حقوقها والتمييز بين استقلاليتها والولاية عليها، وذلك منذ الاحتكاكات الأولى بالغرب الاستعماري وما حمله من تصورات ومفاهيم حول الأسرة وطبيعة علاقة مكوناتها. لقد امتد الجدل عميقا على أكثر من مستوى، لامس الكثير من الجوانب التي تصل إلى الأسس العقائدية وما رسخته الأعراف، حول موقع المرأة وحقوقها ومجال حركتها، في مجتمع اختلفت عناصره حول العديد من القضايا، واتفقت على حصر مكانة المرأة وتحديد موقعها في أسفل السلم الاجتماعي، وتشديد الوصاية عليها وجعل كل تطلعاتها في أن تكون في حماية من يضمن لها حق الاستمرار في الحياة وفق شرط الاستسلام.

بالرجوع إلى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، حين سجلت أول حركة نسائية احتجاجية على الزامية ارتداء الحجاب بمصر، وذلك في سياق نقاش وجدل مجتمعي حول دواعي التخلف عن مسار التطور العام، الذي عرفته بعض الشعوب وما حققته من تغيير على مستوى مختلف البنيات الاجتماعية والاقتصادية في كل تجلياتها الحضارية، يتضح المسار النضالي الذي انخرطت فيه المرأة على عدة واجهات وفي أشكاله المختلفة، مدعومة بقوى سياسية تقوم اختياراتها على أساس الدعوة للمراجعة الشاملة للقيم المجتمعية، وتصحيح المفاهيم بخصوص التدبير العام للشأن المجتمعي والمؤسساتي، بما يحقق الحضور الحضاري المتميز بكل سماته العقائدية وموروثه التاريخي. حراك نسائي يحيل في صيغه المختلفة على كل محاولات اثبات الذات التي عملت المرأة من خلالها على تحسين موقعها الاجتماعي وتقوية مكانتها على أكثر من مستوى، منذ كان السعي لتقنين أوضاع النساء واخضاعها لأعراف وتصورات، تحصر موقعها وفعاليتها بما هي مكمل وتابع للسيادة المطلقة للرجل، سواء كان زوجا، ابنا أو فردا من العشيرة حتى. وقد تباينت المواقف والأهداف باختلاف الشرط التاريخي ومستوى المعاناة، نتيجة انحسار الأفق وتعدد المسارات في سياق تصورات ومفاهيم عقائدية وموروث مجتمعي محدد المعالم والأحكام.

ولإن حققت الحركة النسائية، في خضم الحركية المجتمعية بمستوياتها المختلفة، بعض المكتسبات وساهمت في تغيير بعض المفاهيم والتصورات، من خلال كل ردات الفعل العفوية والمنظمة، بما ساعد على توسيع دائرة الدعم والمؤازرة لنضالها، فإن عوائق مازالت تعيد انتاج ذات الظواهر في صيغ مثقلة بحمولات مختلفة، تساهم في التقليل من أهمية كل ما تم تحقيقه من إنجازات في الرفع من مكانة المرأة الاجتماعية وتسليط الضوء على الأدوار، التي انيطت بها وما تسديه من خدمات بفعالية وازنة كمكون أساسي في المنظومة المجتمعية.

ولعل ما نتداوله اليوم من آراء بخصوص حقوق المرأة والسعي النضالي لتدعيم موقعها في الفعل الاجتماعي والسياسي، من خلال اعتماد الفعل المنظم للجمعيات والهياة الحاضنة للفعل النسائي الرامي إلى تحقيق المساواة وتكريس الحقوق، يكشف حجم التعقيد الذي ظل يحاصر كل الصيغ الممكنة لخلق نوع من التوازن بين مختلف الأدوار المجتمعية، بغض النظر عن الجنس او أي تمييز يكرس الدونية والاقصاء الممنهج الحاط من الكرامة إن المستوى المطروح من النقاش يؤكد فعالية كل المبادرات والخطوات الكفاحية، التي أكسبت المرأة المكانة التي تقوي حضورها الفاعل والمتميز في الدينامية المجتمعية، من أجل احداث التوازن المطلوب في العلاقات الإنسانية في كل مظاهرها وظواهرها. يسمو النقاش اليوم إلى مستوى الحقوق الكاملة وكل ما يخص الكائن البشري بغض النظر عن جنسه ومكانته الاجتماعية، وهو تطلع كان دائما مطروحا في صيغ مختلفة، حاولت الحركات النسائية ترتيبه في صيغ تتناسب ومستوى الإمكانيات الكفاحية وما تحتاجه المعركة من مؤهلات مجتمعية وثقافية، تقوى على استيعاب كل ما هو مطلوب. فإعادة طرح مختلف القضايا العالقة للتداول، يفسح المجال لتأكيد المكتسبات وترسيخها بمختلف الصيغ الكفاحية، بما يجعلها تتجاوز كل حدود الاستثناء وما يرتبط بها من معيقات أو تعويم يغرقها في الإبهام والشك.

اليوم تقف الحركة النسائية على أبواب الحسم في قضايا ظلت مبعدة من النقاش لدواعي متعددة، منها على الخصوص القضايا المرتبطة بالأهلية والحصانة الاجتماعية، المقرونة بالمقدس كما جاء في التأويلات المذهبية، أو في العرف الموروث القائم على تكريس الدونية والالحاق بوسط يحصر الهوية بالانتساب القائم على القوامة والتحصين. لقد أصبحت الأمور أكثر وضوحا في سياق تحقيق الأولويات، وبتكريس واقع أصبحت تجلياته تحتاج إلى توثيق وتقعيد، دفعا لكل التباس أو تسخير لكل غاية لم يعد لها أساس موضوعي أو دواعي اجتماعية وإنسانية. فما عرفه المجتمع من ظواهر وإشكالات ساهمت في تعقيد العلاقات وافراغها من كل بعد إنساني، يقوم على المساكنة بالمعروف والتطابق في الحقوق والواجبات، اعتمادا على الحق في الاختيار الحر

والمسؤول، وكل ما يحقق هوية الانسان كذات لها خصوصيات تحقق التكامل وليس التمييز أو تكريس الدونية. وبعيدا عن كل التفاصيل لتحديد مجريات الأمور، بخصوص تحديد الأولويات وتعزيز المكاسب، نرى ضرورة التأكيد على الكشف عن كل التباس او ما يسمح بأكثر من تأويل، يبطن التكريس ويعمق التمييز. فكل فصل حقيقي بين الموروث الثقافي والمعتقد الديني، يقتضي الحسم في صيغ التناول المبهم لموقع المرأة الاجتماعي وتصنيفها وفق المعتقد الديني الذي تلفه الكثير من الملابسات على مستوى التنزيل والممارسة، وذلك باستحضار ما عرفه الواقع من تحولات وما اتسمت به التجربة الإنسانية من تطور في السلوك والعادات، التي اعادت تشكيل العلاقات المجتمعية وفق مستلزمات التطور العام الذي عرفته بنية المجتمع البشري ومتطلباته المتجددة. فلا أحد يجادل فيما عرفته مختلف البنيات الاجتماعية ومكوناتها من تحولات، سواء على مستوى الموقع والفعالية، أو على مستوى الروابط الاجتماعية. حقائق تنعكس سلبا أو إيجابا على الأشخاص والمؤسسات الاجتماعية، كما تكشف عن حجم الموانع والمعيقات في جدلية الفعل والاستيعاب.

فاعتمادا على ما راكمته الحركة النسائية من مكتسبات وما حققته من تقدم في رصد الكم الهائل، من سلبيات وحيف في التمييز المجتمعي على قاعد اختلاف النوع البشري، يمكن التأكيد على أن النقاش لا بد أن يمتد في تشعباته إلى جوهر ما يحقق المساواة الكاملة، وأن يرفع اللبس الذي طالت مدارته وتمطيط الحديث حوله بخصوص الحقوق والواجبات. فكل تصنيف يقوم على الميز وترسيخ الاستثناءات، أصبح أكبر معيق للتوازن المجتمعي، انسانيا وعلى قاعدة المساكنة وترسيخ شروط العيش الكريم. فالدعوة للنقاش وفتح المجال للمساجلة حول كل ملابسات النصوص قصد التدقيق في صدقيتها ومداها الإنساني، لابد أن يفضي في خلاصاته إلى تجاوز كل باطل قائم على تأويلات ونزوع يكرس هيمنة أحد الأطراف في بنية مجتمعية مشتركة، تغير الكثير من مقومات تشكلها، وفتحت أفاقا للعيش المشترك القائم على المساوات في الحقوق والواجبات.

قميص_نهضة_بركان_Raoudnews_mostafa_raoud.jpg قميص نهضة بركان

قميص نهضة بركان يصيب الكراغلة بالمُورُوكُوفُوبي

 بقلم: سعيد الكحل

واقعة احتجاز فريق نهضة بركان من طرف السلطات الجزائرية داخل مطار هواري بومدين بسبب حمل لاعبيه قميصا يضم خريطة المغرب بكامل ترابه من طنجة إلى الـﯕويرة، ليست حادثا عارضا يمكن التغاضي عنه أو تجاوزه تحت أي مبرر كان؛ بل هي واقعة كشفت لدول العالم وكل المنتظمات الرياضية والدولية أن معاداة الوحدة الترابية للمغرب عقيدة راسخة لدى حكام الجزائر مهما اختلفت الأسماء والوجوه. عداء جزائري مقيت تحوّل، بفعل مراكمة الهزائم العسكرية والدبلوماسية والرياضية والإعلامية والثقافية، إلى فوبيا من كل ما هو مغربي. إنها “موروكوفوبيا” التي استحكمت في وعي ولاوعي المسؤولين الجزائرين في كل القطاعات، بما فيها الرياضة التي من المفروض أن تخلق أجواء المتعة والتسلية داخل الملاعب وفي نفوس عشاقها. إلا أن حالة حكام الجزائر وكل مؤسساتهم السياسية والعسكرية والإعلامية والرياضية تبين مدى انتشار “الموروكوفوبيا” في الكيان الجزائري بكل قطاعاته. ذلك أن كل التبريرات التي قدمتها السلطات الجزائرية لتسويغ قرار حجز اللاعبين ثم منعهم حمل قميص فريقهم داخل الملعب في المقابلة التي كانت مقررة يوم الأحد 21 أبريل ضد اتحاد العاصمة الجزائري، كانت تبريرات سخيفة ومضحكة تعكس ضحالة التفكير لدى الكراغلة بكل مستوياتهم. كما تثبت للعالم أن ليس بين المسؤولين الجزائريين “رجل عاقل” ينبههم إلى انحرافاتهم أو يكشف لهم أعراض مرضهم لعلهم يتداركون حالتهم الخطرة بالتشخيص والعلاج.

الجزائر طرف رئيسي في النزاع حول مغربية الصحراء.

تواترت الأحداث التي تثبت فيها الجزائر أنها هي الطرف الرئيسي في النزاع حول الصحراء المغربية الذي عمّر نصف قرن. ولم تعد تُجْد مراوغات حكام الجزائر، كما أن محاولاتهم التخفّي وراء شعار “تقرير المصير” باتت مكشوفة لدول العالم التي يتأكد لها، يوميا، أن الجزائر هي من صنعت البوليساريو وهي من تتحكم فيه وتستعمله أداة لمحاربة المغرب ومعاداة وحدته الترابية. لقد سقطت ورقة التوت عن حكام الجزائر وظهر جليا عداؤهم للمغرب ولوحدته الترابية. لطالما ادعى الكراغلة أنهم غير معنيين بالنزاع حول الصحراء المغربية، وليسوا طرفا فيه حتى يحضروا الموائد المستديرة التي دعتهم الأمم المتحدة إلى المشاركة فيها. خلافا لكل هذه المزاعم الباطلة، نصّب الكراغلة أنفسهم طرفا مباشر في النزاع لما زعموا أن رسم خريطة المغرب بكامل ترابه “يمس بسيادة الجزائر”. وكأنهم، بهذا التبرير، يؤكدون للعالم أن لهم أطماعا في الصحراء المغربية، وأن حقيقة النزاع مع المغرب هو حول السيادة على هذه المناطق. هذا ما يثبتونه عمليا من خلال قرار منع اللاعبين المغاربة من حمل قميصهم الرياضي وعليه خريطة المغرب بصحرائه، رغم ادعاءاتهم أمام الهيئات الدولية والأممية أن النزاع هو بين المغرب والبوليساريو. فكيف سيقنعون العالم أن رسم خريطة المغرب على قميص لاعبيه يمس بسيادة الجزائر، في الوقت الذي لا تدعي فيه الجزائر حق السيادة على الصحراء المغربية، ولا قدمت ملفا في الموضوع لدى هيئة الأمم المتحدة؟ قد يبدو مفهوما، في حالة وجود نزاع على السيادة بين المغرب والجزائر على الأقاليم الصحراوية التي كانت تحتلها إسبانيا، قرار منع فريق رياضي بحمل خريطة تضم أراضي متنازع على سيادتها. أما والحالة التي لا تطالب فيها الجزائر بالسيادة على أقاليمنا المسترجعة، فليس مستساغا، البتة، احتجاز اللاعبين ومنعهم من خوض أطوار المقابلة الكروية.

نهضة بركان لم تأت بدْعاً.

أن يحمل لاعبو نهضة بركان خريطة المغرب على قمصانهم الرياضية ليس أمرا طارئا ولا بِدْعا. فهم أولا سيخوضون مقابلة رياضية مع فريق كروي لدولة ليس لها نزاع رسمي مع المغرب حول جزء من ترابه حتى يُفهم من سلوكهم أنه استفزاز للدولة المضيفة. ثانيا، أن رسم خريطة بلد عضو بهيئة الأمم المتحدة على القميص الرياضي، ليس ممنوعا ولا مخالفا لقوانين “الفيفا” أو “الكاف”، وهما هيئتان دوليتان لا تعترفان بكيان اسمه “البوليساريو” أو بسيادته على الأقاليم الصحراوية المغربية. ثالثا، أن فِرَقا رياضية أخرى حملت وتحمل أقمصة عليها خارطة دولها بكامل ترابها. ففي نهائيات كأس الأمم الإفريقية التي أقيمت مؤخرا بالكوت ديفوار، حمل الفريق الموريتاني خريطة بلاده على أقمصة لاعبيه طيلة المباريات التي خاضوها، بما فيها مقابلتهم مع الفريق الجزائري، دون أن يرى فيه أي فريق أو دولة استفزازا له؛ كما لم تعتبره “الكاف” أو “الفيفا” خرقا للقانون الداخلي للمنظمتين. رابعا، إن فرقا مغربية خاضت مقابلاتها بقميص عليه خريطة المغرب مع فرق أجنبية، وضمنها فريق نادي المجمع البترولي الجزائري الذي واجه نادي شباب الريف الحسيمي بقلب تونس في 27 نونبر 2014. طبعا لم تحتج الجزائر ولم يأمر مسؤولوها فريقهم بالانسحاب، أو بالضغط على السلطات التونسية لمنع دخول الفريق المغربي إلى الملعب، لوجود عاملين اثنين: أولهما: أن تونس كان يرأسها السيد منصف المرزوقي المؤيد للوحدة الترابية للمغرب والذي رفض أن يكون لعبة بيد حكام الجزائر. ثانيهما: أن الجزائر لم تتلق بعد الهزائم الدبلوماسية القاسية كتلك التي تلقتها بعد 2017، تاريخ عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي وتقزيم الدور العدائي للجزائر داخل الاتحاد، فضلا عن مدى اتساع التأييد الدولي لمقترح الحكم الذاتي وعدد القنصليات التي تم افتتاحها بمدينتي العيون والسمارة، مرورا بتحرير معبر الكركرات من عصابات البوليساريو وفرض السيادة على المناطق العازلة. ثم تحويل الصحراء المغربية إلى مناطق جذب الاستثمارات الدولية.

إقحام السياسة في الرياضة سلوك جزائري مقيت.

يستهدف حكام الجزائر المغرب عن قصد وبدافع العداء؛ إذ لم يكفهم مئات الملايير التي صرفوها تسلحا للبوليساريو ورشوة للدول والمنظمات التي تتاجر بمواقفها طلبا للمال. ولا تمر مناسبة، أيا كان نوعها (سياسية، رياضية، بيئية) إلا ويصدر عن الجزائر سلوكها العدواني ضد المغرب والمغاربة. ففي فبراير 2023 ، وبعد احتجاج لاعبي الوداد البيضاوي قبيل انطلاق مقابلة في كرة القدم جمعتها مع شبيبة القبايل على عدم رفع العلم المغربي ، كما هو معمول به في الملتقيات الرياضية، فضلت إدارة النادي الجزائري إنزال علم بلدها بدل رفع علم المغرب. نفس السلوك العدواني انتهجه حكام الجزائري لما قرروا دعوة حفيد منديلا والسماح له بمهاجمة المغرب أثناء حفل افتتاح بطولة“CHAN2023”.

واضح أن سُعار حكام الجزائر تجاه المغرب زادت حدته بعد توالي هزائم الدبلوماسية الجزائرية التي لم يوقفها تغيير دبلوماسييها؛ مما أدخلهم في تيه وردود أفعال صبيانية (إغلاق المجال الجوي، قطع العلاقات الدبلوماسية، منع البواخر الجزائرية من إعادة الشحن والعبور عبر الموانئ المغربية، منع المجلات من نشر مساهمات المثقفين المغاربة، وقف القروض عن الدول التي استجابت للمبادرة الملكية بفتح معبر نحو الأطلسي). إن العداء الجزائري للمغرب قوّى لحمة الشعب المغربي ورفع منسوب الوطنية لدى كل الأجيال، وزاد من تشبثهم بالهوية المغربية والدفاع عنها ضد كل ما يهددها. وقد لقّن أبناء الريف للجزائريين درسا بليغا في حب الوطن والدفاع عن رموزه ومقدساته.

lkhal_said_adala_walihsan_Raoudnews_mostafa.jpeg
lkhal_said_adala_walihsan_Raoudnews_mostafa.jpeg
ahmed_assid_Raoudnews_mostafa_raoud.jpg لا تنمية بدون ثقافة

لا تنمية بدون ثقافة المواطنة

بقلم: أحمد عصيد

في السياق المغربي ثمة ثلاثة أسباب لطرح موضوع الثقافة في علاقتها بالمشاركة المواطِنة في مشاريع التنمية:

1) الاستهانة بدور العامل الثقافي في مجال التنمية من طرف الفاعلين السياسيين بمختلف أطيافهم، ويظهر ذلك بوضوح في التصور الذي تتبناه الحكومات المتعاقبة للثقافة باعتبارها قطاعا خاصا يحتاج إلى الدعم والمساعدة، كما يظهر في الميزانيات والبرامج التي تخصصها هذه الحكومات للشأن الثقافي.

2) تدني الوعي المواطن وضعفه أمام التحديات الراهنة، حيث لا تلتفت الأطراف الفاعلة إلى أهمية العقليات والذهنيات وأنماط الوعي والسلوك وتقاليد وعادات المجتمع في نجاح أو فشل مشاريع التنمية، حيث يتم التركيز في الغالب على الشروط التقنية والعوامل المساعدة في المحيط المادي، في إغفال تام للعوامل الأكثر تأثيرا في سلوك ووعي المواطنين.

3) وجود نموذج تنموي جديد أعلنت عنه الدولة منذ منتصف سنة 2021، والذي يتضمن مكتسبات هامة تربط وفق نظرة شمولية بين الثقافي والتربوي والتنموي، وتجعل من “تحرير الطاقات” و”تطوير العقليات” هدفا أسمى لها.

هذه العوامل الثلاثة في اعتقادنا تسمح لمغرب اليوم بأن يعيد النظر في مكانة الثقافي وأدواره في تحريك عجلة الاقتصاد ورفع الإنتاجية وخلق دينامية اجتماعية مساعدة على مناخ الأعمال والاستثمار، وكذا جعل الحياة السياسية أكثر حيوية ومصداقية، عوض إبقاء الثقافي أسير التنشيط الرمزي في الآداب والفنون.

ومن البديهي أن هذا المنظور الجديد للثقافة بحاجة إلى تعريف وتحسيس كبير لدى السياسيين، إذ يعتمد أساسا على نقل الثقافة من مجرد قطاع وزاري بحاجة إلى الدعم والمساعدة إلى محرك للوعي الاجتماعي وحافز للإبداع والتجديد وبرنامج يومي للنهوض بالمجتمع وتنميته.

لقد تم تداول مفهوم الثقافة لمدة غير يسيرة في الأوساط الثقافية المغربية وفي بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط على أن المقصود به الإنتاجات الرمزية من آداب وفنون وأفكار نظرية، وهو المفهوم التقليدي للثقافة الذي لا يتعدى فضاء المدرسة إلى الحياة الواسعة، وجاء المفهوم الأنثروبولوجي للثقافة بعد ذلك ليتمّ توسيع المفهوم فيشمل كل ما يكتسبه الإنسان من وسطه الاجتماعي بعد الولادة، من لغة تخاطب وتقاليد وعادات المجتمع وأدوات وتقنيات مستعملة وقيم روحية وجمالية، وبهذا صارت الثقافة تقريبا مرتبطة بكل مناحي الحياة، ومرادفة لمعنى “الذهنية” أو “العقلية” التي تحكم أنماط الوعي والسلوك، وصارت بالتالي عاملا لا يمكن إنكاره في دراسة المشاريع التنموية والبحث عن طرق إنجاحها، إذ لا يمكن أن ينجح أي مشروع في أي قطاع من قطاعات الدولة إذا لم تتم دراسة سلوكات الناس وعقلياتهم وأشكال وعيهم لضمان شروط نجاح المشروع المراد تحقيقه، وهكذا أصبحت الثقافة بمعناها الواسع المشار إليه، العامل الرئيسي لنجاح أو فشل أي مشروع تنموي.

ـ من جهة أخرى يبدو أننا بحاجة إلى تدقيق مفهوم التنمية الذي كان إلى وقت  قريب محصورا في المجال المادي من ماء وكهرباء ومواصلات وتجهيزات  المستوصف الطبي ومشاريع الفلاحة والصناعة التي لم ينجح معظمها إلا بمقدار ضئيل، ذلك أن التنمية الحقيقية إنما تستهدف الإنسان وليس المحيط المادي، فقد اعتمدت الدولة خطابا سطحيا حول “تنمية العالم القروي” منذ عقود، ورغم أنها نجحت في إدخال الكثير من عناصر التنمية المادية إلى القرى البعيدة إلا أن ذلك لم يوقف الهجرة الكثيفة للسكان نحو المدن والحواضر الكبرى، والسبب الرئيسي في ذلك هو أن الذي كان يمكن أن يجعل السكان يبقون في أماكنهم ويساهمون في تنميتها هو الحفاظ على الإطار الثقافي الاجتماعي الذي كان يجمعهم، والذي كان مرتبطا بنمط الزراعة المعاشية التي دمرتها الدولة بمخططاتها التي لم تأخذ في الاعتبار هذا النوع من الزراعة، الذي كان نظام عيش متكامل في الكثير من مناطق المغرب النائية.

فالمنطلق الصحيح للتنمية إذن إنما هو العناية بالعامل البشري وجعل الفرد المواطن يكتسب وعيا تنمويا يساعد على نجاح المشاريع المادية من خلال التأطير والتكوين والتوعية والتحسيس، ذلك لأن التنمية بجانب كونها تهدف إلى الرفع من الوضعية الإنسانية، مشروع جماعي تشاركي قائم على دينامية اجتماعية ومؤسساتية.

من جانب آخر فانخراط المواطنين في مشاريع التنمية لا يكون إلا في مناخ ديمقراطي يحقق شعور الأفراد بالكرامة والطمأنينة الاجتماعية وبالانتماء للوطن.

كما أن الوعي بالحقوق والواجبات من طرف الأفراد يخلق ضميرا جمعيا يجعل مصلحة الفرد جزءا من مصلحة المجتمع.

وحتى تظهر للقارئ الكريم أكثر أهمية العوامل الثقافية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية نشير إلى أهمية الأفكار الوطنية والشعور بالمسؤولية والإيمان بالمساواة واعتماد  النزاهة والحكامة والخصوصية الثقافية للجهات المختلفة، أهميتها في إنجاح المخططات التنموية.

كما نشير من جهة أخرى إلى أن من أهم أسباب فشل المشاريع التنمية بعض العاهات الثقافية مثل شيوع العنف والتمييز وعقلية التواكل والقدرية، وضعف الثقة في المؤسسات وشيوع الفساد العام.

zraikem_militant_Raoudnews_mostafa_raoud.jpg في تأبين الرفيق زريكم

في تأبين الرفيق عبد اللطيف زريكم

بقلم: أحمد حبشي

                                  مكــــــــــــارم الارتقــــــــاء  

رحل رفيقي الذي كان أكثرنا حرصا على تمتين الروابط، والوفاء بالعهود والجهر بالحقيقة، لم يتسع نبضه المتعب لبسمة وداع. ودعنا دون أن يرفع يده كما اعتاد ان يفعل عند كل لقاء. كان أنينه من مسافة يصل مجلجلا ينبض بالحياة. يعدد في حبور تفاصيل مناه، وما أقر عزمه بعد ان يغادر لحظة استرخاء شلت فورة حركاته.                                                              

اتسع مدار بهجته منذ أن استعاد هدوء القرية ونسائم الدوار، أقر أن يبسط جزء من فورة أفكاره ويفيد الناس بما تستحقه الحياة. وطد العلائق بالكشف عن كل نواياه، فكان الاحتضان الواسع وصار منارة في الاستقامة والاتزان. تجاوزت العشيرة كل توجسها مما كان يشاع عنه من غلو في الكلام. وأنه رهينة ماض مثقل بالنائبات والأشجان. هو الذي كان لا يحتمل الحديث عن مجريات ما يتداوله الناس باطمئنان. يسمي الأشياء بأسمائها ولا يخشى صولة الطغيان. أبهره الاحتضان بعد أن طال به المقام، فاهتدى إلى تقوية الأواصر وتوحيد الفعل الخلاق، توطدت الروابط وسما الإقرار بالنفع العام والسعي الحثيث لخدمة الأجيال، فكانت الإعدادية في ملتقى الحقول تمرة تمتين الوشائج والحد من تباين الفوارق. هكذا ارتقى بين أحضان سلالته، حيث شب على الصدق والوفاء، أينعت أشجار واتسعت عطاءات الحقول.                                                                                  

في مسار فورة خطاه الثابتة لبسط كل معني العدالة وصيانة الحقوق. أعلن في الناس عزمه على الوقوف في وجه التسلط والطغيان، وبسط كل معاني الحقيقة وكشق دواعي الخدلان.

   قبل أن يكتمل عقده الثاني صار مطلوبا أكثر من غيره لدى دوائر الاستعلامات، اسمه وشكل ملامحه في لائحة المتهمين بالتحريض على العصيان، كان قد رفع إيقاع التحدي من أجل تحقيق مبتغى الارتقاء بالوطن لمدارج الرقي والازدهار. غادر مراكش القادم إليها من سفوح زمران لاستكمال دراسته، حين اهتدى إلى حقيقة غايته بأن يواصل مسيرته النضالية، وانتهى به المقام بالدارالبيضاء، رفقة توأم روحه محمد بلوط. كان ذلك بتوجيه من رفاقه الذين استشعروا حجم الخسارة في الحد من حركيته وقوة تأثيره الواسع في محيطه الذي شب وترعرع فيه. وكذا حتى يتمكن من مواصلة نضاله الوازن وفورة عطائه. ثم لأنه كان قائدا بارزا في الحركة التلاميذية التي أعلنت فورتها بإشهار العصيان، رافضة أن تساق كالقطيع والامتثال لهرطقة الإصلاح وتسويف المطالب وقمع التطلعات. 

                               وتمكن بعزمه وقوة فعاليته، ان يعدد قنوات اتصالاته بأغلب الثانويات، وأن يرفع من ايقاع التحدي بكل استقامة واتزان. لا يهاب المخاطر و لا تصده  المخاطر صفارات الإنذار.                                                                                                 

عرفت صلابة عزمه قبل أن أراه، سما اسمه بعد أن جلجل صوته في ممر المعتقل، كان صراخه يطفح بلغة التحدي ونحن في الزنازين نستهجن سفالة الاستصغار. ” هذا صوت الطلبة والمدير يجي دابا” تلك كانت أول حركة تمرد بعد أن أصبحنا رسميا في عداد المعتقلين. ردنا الأول على استصغار الإدارة لردة فعلنا، بعد الاستقبال الماس بالكرامة والافراط في الاستهجان، الذي قوبلنا به نحن القادمون من المعتقل السري، حيث كنا ما بين الحياة والموت.

جربت إدارة السجن منذ البداية أن تحد من فورتنا، واهمة أن رجالها أشد قسوة من عسكر المخافر. فكان الرد تمردا أطلق شرارته رفاق علت أصواتهم ولأول مرة يتم تداول أسماءهم، محمد معروف أحمد ركيز وعبد اللطيف زريكم، ارتفعت حناجرنا ودب الرعب في الجلاد فهاجمنا بكل قواه، مستعينا ببعض معتقلي الحق العام، لتفكيك وحدتنا وشل ردة فعلنا. فكان أن حققنا أول نصر على السجان بأن نقل بعض الرفاق إلى المستشفى لاستكمال العلاج، وجنحت الإدارة إلى ما يشبه الحوار.  كان ذلك أبرز اصطدام أيقنت معه إدارة السجن المحلي بالبيضاء أنا نختلف في عزمنا، وأنا لا نرضى أن تمس كرامة أي منا. توطدت أسس تآزرنا وسمت علاقات التعاضد بيننا فارتقى فعلنا المشترك إلى قوة لا حدود لردة فعلها عند كل استهتار أو تعامل خارج اللياقة والمعاملة باحترام.

في كل تفاصيل المواجهات داخل السجن كان عبد اللطيف حاضرا، يرفع صوته ما استطاع، يتقدم الصفوف يسرد المطالب ويستعجل الإنجاز. توطدت وحدة فعلنا وانتهينا إلى أقصى ما يمكن أن تستجيب له إدارة المعتقل صاغرة في استسلام.

رفيقي متعدد المكارم رحل، أوصانا بالوطن خيرا والوفاء بالعهود اجلالا وتقديرا، فلصفاء روحه وفخرا بما أسداه للمتنا من جليل العطاء نؤكد عزمنا على أن نواصل الخطو على نهجه وعفة نفسه، ولروحه الطاهرة تحية اكبار وألف سلام.

                                            أبريل 2024     

habchi_ahmed_Raoudnews_mostafa_raoud.jpeg في تأبين الرفيق زريكم
habchi_ahmed_Raoudnews_mostafa_raoud.jpeg في تأبين الرفيق زريكم

                                                              

lkhal_said_adala_walihsan_Raoudnews_mostafa.jpeg إفريقيا ضحية الارهاب

رد على خالد الصمدي: التعصيب محض اجتهاد ظالم للإنا

بقلم: سعيد لكحل

في حمأة التصدي للمطالب النسائية والحقوقية بإلغاء التعصيب الذي يشرعن أكل أموال الإناث بالباطل، نشر خالد الصمدي، بموقع الحزب بتاريخ 9 أبريل 2024، مقالا تحت عنوان “هل الإرث بالتعصيب محض اجتهاد؟”، يحاول فيه، يائسا، الرد على الأصوات المطالبة بمراجعة مدونة الأسرة إنصافا للإناث. ولا تخفى دوافع وخلفيات السيد الصمدي المنتمي للبيجيدي، الحزب الذي ناهض ولاية المرأة على نفسها كما ناهض الطلاق القضائي لتبقى الزوجة أمَة وجارية ورهينة بيد الزوج المعنِّف لها؛ بل الحزب الذي جاء بمشروع قانون جنائي يشرعن قتل الإناث بدافع “الشرف” حيث رفع التجريم عن “جرائم الشرف” بأن خفّض عقوبتها من الإعدام والمؤبد إلى بضعة شهور قد تكون موقوفة التنفيذ. خالد الصمدي الذي تحمل المسؤولية الحكومية، لا يؤمن باقتسام الممتلكات الزوجية ولا بمنع تزويج القاصرات، ولا بولاية المرأة على نفسها وعلى أولادها. ومن كان هذا دأبه وقناعته الإيديولوجية المشرعنة للعنف ضد النساء، لا يمكنه أبدا أن يرى في مطالب النساء إنصافا لهن وتحقيقا لمقصد العدل الذي هو جوهر الشريعة.

لهذا نجده لا يدخر جهدا، منذ أن أعلن جلالة الملك عن مراجعة مدونة الأسرة. فكل مقالاته لم تقدم ولو حلا بسيطا لأي مشكلة من المشكلات التي تعاني منها الإناث؛ بل جميعها تناهض مطالب النساء وحقوقهن. مجهود عقيم سيلقى نفس مصير ما بذله حزبه وحركته ضد مشروع خطة إدماج المرأة في التنمية. ذلك أن التغيير سنة الله في خلقه وهو قانون تخضع له المجتمعات ولا يمكن لأي قوة حجزه. وما قدمه السيد الصمدي لا يعدو أن يكون تشبثا بأكثر التأويلات تشددا للنصوص الدينية المتعلقة بالإرث، والتي تشرعن الظلم وأكل أموال الناس بالباطل. وقد جاءت مقالته، موضوع الرد، مليئة بالمغالطات والتناقضات أبرزها:

1 ـ مغالطة الاستدلال الدائري: حيث صادر على أن “نظام الإرث في الاسلام كما هو معلوم لدى الجميع كله فريضة من الله وبيان من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا مجال فيه للاجتهاد سواء في ذلك الإرث بالفرض أو الإرث بالتعصيب”. في حين أن نظام الإرث اختلف حوله المسلمون اختلافا جوهريا كما هو الحال في موضوع التعصيب بين الشيعة والسنة. فإذا كانت المذاهب الفقهية السنية تأخذ بالتعصيب، فإن المذاهب الفقهية الشيعة تقول إن الإرث يكون بالفرض أو القرابة، بحيث يعطى الفرض لصاحبه، أما الباقي فيعطى للأقرب رحماً سواء كان ذكراً أو أنثى. ومن ثم فالقول بالتعصيب باطل عند الشيعة. ومما يستند إليه الشيعة قول ابن عباس فيمن ترك بنتا وأختا: إن المال كله للبنت دون الأخت. وبذلك أعطيت كل التركة إلى البنت حتى مع وجود العم أو أبنائه.

ويعزِّز موقفَ الشيعة من التعصيب اجتهاد الرسول (ص) حين ورّث دُورَ المهاجرين للنساء. ففي حديث لأبي داود عن عبد الواحد بن عتاب، عن عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن جامع بن شداد، عن كلثوم عن زينبَ “أنَّها كانت تَفْلي رأسَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ وعندَهُ امرأةُ عثمانَ بنِ عفَّانَ ونساءٌ منَ المُهاجراتِ وَهنَّ يشتَكينَ منازلَهنَّ أنَّها تضيقُ عليْهنَّ ويخرُجنَ منْها فأمرَ رسولُ اللَّهِ صلّى اللَّه عليه وسلم أن تورَّثَ دورَ المُهاجرينَ النِّساءَ فماتَ عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ فوُرِّثتْهُ امرأتُهُ دارًا بالمدينةِ”.

إذن القول بأنه “لامجال للاجتهاد في الإرث” قول باطل ومردود عليه.

2 ـ إنكار الاجتهاد في حديث منسوب إلى الرسول، حيث أعطى الصمدي لنفسه الحق في إغلاق باب الاجتهاد وتمرير مغالطته أن حديث “ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر” رواه البخاري ومسلم، فهو نص صريح لا يقبل التأويل ولا الاجتهاد”. مغالطة وإنكار مكشوفان تثبت أحادية التفكير عن الصمدي وانغلاقه على البضاعة المزجاة التي تغذي عداءه للنساء وحقده على المطالبين بإنصافهن. فهذا الحديث الذي يتمسك به الصمدي عساه يسعفه في تبرير أكل أموال الإناث بالباطل، ضعّفه كثير من الأئمة والفقهاء لكون راويه عبد اللّه بن طاووس مجروحا. فقد روي عن ابن عباس وطاووس والد عبد اللّٰه تكذيبه، وتبرؤهما من هذا الخبر. روى ذلك أبو طالب الأنباري قال: حدثنا محمد بن أحمد البربري، قال: حدثنا بشر بن هارون، قال: حدثنا الحميدي، قال: حدثني سفيان، عن أبي إسحاق، عن قارية بن مضرب قال: جلست عند ابن عباس وهو بمكة فقلت: يا ابن عباس حديث يرويه أهل العراق عنك وطاووس مولاك يرويه: أن ما أبقت الفرائض فلأولى عصبة ذكر؟ قال: أمن أهل العراق أنت؟ قلت: نعم قال: أبلغ من وراءك أني أقول: إن قول اللّٰه عز وجل (آبٰاؤُكُمْ وَأَبْنٰاؤُكُمْ لٰا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللّٰهِ) و قوله (وَأُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتٰابِ اللّٰهِ) وهل هذه إلا فريضتان و هل أبقتا شيئاً؟ ما قلت هذا، ولا طاووس”‌. قال قارية بن مضرب: فلقيت طاووسا فقال: لا والله ما رويت هذا على ابن عباس قط وإنما الشيطان ألقاه على ألسنتهم. وفي المقابل أفتى ابن عباس بالتركة كلها للبنت في عدم وجود الابن الذكر. وفي نفس السياق روى البخاري في باب ميراث البنات قال: (حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا الزهري، أخبرني عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: مرضت بمكة مرضاً فأشفيت منه على الموت فأتاني النبي (صلى الله عليه وسلم) يعودني فقلت: يا رسول اللّٰه إن لي مالًا كثيراً، وليس يرثني إلا ابنتي أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، قلت: فالشطر؟ قال: لا، قلت: الثلث؟ قال: الثلث كبير، إنك إن تركت ولدك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس). فالرسول (ص) لم يأمر سعد بن أبي وقاص أن يترك نصيبا للعصبة من إخوته أو أبنائهم. وعن ابن عباس أن النبي (ص) لما قُتل حمزة بن عبد المطلب بعث علي ابن ابي طالب فأتاه علي  بابنة حمزة فسوغها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الميراث كله. وهذا دليل على أن التعصيب ليس من القرآن ولا شرّعه الرسول.

من تناقضات السيد الصمدي:

1 ـ إثبات الاجتهاد بعد نفيه: إذ جاء في المقال: “وقد تضمن الفقه الاسلامي حلا لهذه النازلة (الأسر التي رزقت إناثا دون ذكور) في نظام الهبة والصدقة دون المساس بنظام الإرث، ويتمثل هذا الحل في هبة الأب لابنته أو بناته ما يشاء من ممتلكاته قيد حياته إن خشي عليهم ضيق العيش بعد وفاته مع احتفاظه بحق الانتفاع منها”. وهذا إقرار بلجوء الفقهاء إلى الاجتهاد فأوجدوا مخارج للأسر التي لم ترزق ذكورا لحماية بناتها من العصبة الأعمام أو أبنائهم. هذه الحلول نفسها تطرح إشكالين:

أولهما: الاعتداء على حقوق الغير. فإذا كان نصيب العصبة حقا تفرضه الشريعة على المالك وتضمنه للورثة بالتعصيب، فإن التحايل عليه باللجوء إلى الهبة أو الصدقة هو حرمان للعصبة من حق شرعي وأكل له بالباطل. وهذا يتنافى مع الدين، بل هو رفض لحكم الله وعدم الرضا بالتقسيم الإلهي للتركة.

ثانيهما: أن تلك الحلول غير مضمونة العواقب وقد يكون فيها ظلم لمن سيولدون من بعد. ذلك أن المرء لا يعلم خاتمته وموعد مماته. فقد يموت الأب في حادثة سير مثلا، وهو شاب وله ابنة واحدة وكان يرجو الله أن يرزقه ذكرا لكن الموت لم يسعفه. ففي هذه الحالة سيؤول جزء مهم من التركة لفائدة العصبة الذين لم يساهموا في مراكمته، وقد يكون سكنا يتم بيعه فتجد البنت نفسها دون مأوى. فضلا عن هذا، فإن نظام الهبة والصدقة قد يصلح لمن بلغ من العمر عتيا ويئس من الإنجاب، ومن منا يضمن بلوغ هذا السن؟ فكثير من الأسر كانت تؤجل اللجوء إلى الهبة أو الصدقة أملا في إنجاب ولد ذكر، أو كانت تطمئن لصحة معيليها وكفاءتهم في تحصيل ومراكمة مزيد من الممتلكات حتى فاجأتها الموت دون أن يترك لها فرصة لتوقيع الهبة أو الصدقة.

2 ـ إثبات الظلم رغم المكابرة في نفيه: لم تسعف السيد الصمدي مُلاوَصاته ولا مراوغاته لينفي عن نظام الإرث الظلم الذي يُلحِقه التعصيب بالإناث، لأن الواقع الاجتماعي مليء بهذه الحالات التي ترتب عنها تشريد البنات وحرمانهن مما تركه لهن الآباء. فما كان منه إلا أن يثب حالة الظلم: “وتبقى الحالة التي يتداولها النشطاء ويركبون عليها للدعوة إلى إلغاء نظام الإرث بالتعصيب هي حالة ميراث الاعمام أو أبنائهم إن اجتمعوا في التركة مع بنت أو بنات المتوفى حين غياب الابن الذكر العاصب، مع إثارة ما يترتب عن ذلك من ظلم محتمل للبنات وأمهم”. إذن، الظلم ثابت ولا يمكن التمادي في إنكاره؛ الأمر الذي يتطلب التعجيل برفعه عبر إلغاء التعصيب واعتماد قاعدة “الرد”.

ولِعِلم السيد الصمدي أن فقه المواريث تضمن اجتهادات لم ترد لها نصوص في القرآن ولا السنة. ومنها “العوْل ” ويقصد به الزيادة في عدد السهام والنقص في أنصبة الورثة. وهو في ظاهره وجوهره مخالف للشرع من حيث كونه ينقص من نصيب الورثة. والعول لم يقع في مسائل الفرائض في زمن الرسول (ص) ولا في زمن أبي بكر، فهما لم يعرفانه ولا عمِلا به. وأول من قال بالعول وطبّقه هو عمر بن الخطاب الذي وقعت في عهده مسألة ضاق أصلها عن فروضها، فشاور الصحابةَ فيها، فأشار عليه زيد بن ثابت بالعول، فوافق ذلك رأي عمر وقال: “والله ما أدري أيكم قدم الله، وأيكم أخر، وما أجد شيئاً هو أوسع لي أن أقسم المال عليكم بالحصص” . وبهذا يكون “العوْل” حلاّ من صحابي وليس وحيا الهيا.

ومن اجتهادات المسلمين داخل نظام الإرث اعتمادهم قاعدة “الرّد”. وتقوم قاعدة الرد على توزيع التركة على أصحاب الفروض وما بقي منها يعاد توزيعه عليهم حسب أنصبتهم خصوصا عند وجود الإناث حماية لهن من التعصيب. وقد طبق الرسول (ص) قاعدة الرد وجعل التركة من نصيب البنت/البنات دون العَصَبة كما هو بيّن في الأحاديث النبوية التالية:
ـ قال النبي صلى الله عليه وسلم “من ترك مالا فلورثته ومن ترك كَلاّ فإليّ” وفي لفظ “من ترك دَيْنا فإليّ ومن ترك مالاً فللوارث” إذن المال للورثة من ذوي الأرحام وفق ما تنص عليه الآية الكريمة (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ).

ــ قصة سعد ابن أبي وقاص حيث رُوِي أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه لما دخل على سعد بن أبي وقاص يعوده قال: “إني قد بلغ مني الوجع وأنا ذو مال ولا يرثني إلاّ ابنة لي، أ فأتصدّق بثلثي مالي؟ قال: لا، فقلت: بالشطر (أي النصف) قال:” لا” قلت: “بالثلث،” قال: “الثلث والثلث كثير إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكفّفون الناس.” يدل هذا الحديث على أن الابنة تحوز ما زاد على الثلث، وذلك لا يكون إلاَّ على جهة الرد.
ـ حديث عمرو ابن شعيب عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم ورّث بِنت المُلاَعِنة من أُمّها أي ورّثها جميع المال ولا يكون ذلك إلا بطريق الرَّدّ.
ـ حديث وَاثِلة بن الأسقع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال “تحوز المرأة ميراث لقيطها وعتيقها والابن الذي لُوعِنت به”. وجه الدلالة هنا هو: أن النبي جعل ميراث ولد الملاعنة لأمه، وهذا يقتضي أن يكون جميع ميراثه لها، ولا يكون لها الجميع إلا بالردّ.
ـ ما روي أن امرأة قالت: يا رسول الله إني تصدقت على أمي بجارية فماتت أمي وبقيت الجارية فقال (صلى الله عليه واله): (وجب أجرك وعادت اليك الجارية). فرجوع الجارية كلها إليها دليل على جواز الرد وإلا فليس لها إلا النصف فرضاً، بحيث يمكن بيع الجارية وأخذ نصف ثمنها والنصف الثاني يؤول إلى العاصب. لكن الرسول (ص) عمل بقاعدة الرد دون قاعدة التعصيب.

ولمزيد من التوضيح فيما يخص اجتهاد المسلمين في الإرث، يمكن إحالة السيد الصمدي على الاختلاف بين الصحابة والأئمة والفقهاء حول إرث الجد في وجود الإخوة. وهل توريث الجد والجدة اجتهاد أم فريضة؟ ونفس الأمر فيما سمي بالمسألة “الحِمارية”، ثم اجتهاد الخليفة عمر بن الخطاب في تسوية الإخوة للأب الذين يرثون تعصيبا مع الإخوة للأم الذين يرثون فرضا لما جعلهم يرثون السدس فرادى أو الثلث مجتمعين حيث أنزلهم جميعا تحت حكم الآية الكريمة (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ)النساء: 12.

لقد تجاهل السيد الصمدي التعديلات التي دخلت على مدونة الأسرة فيما يتعلق بالوصية الواجبة التي ورّثت أبناء البنت مع أبناء الابن بعدما كانوا محرومين من نصيب أمهم في تركة جدهم. كما تجاهل تعديلات الأحوال الشخصية في عدد من الدول العربية (تونس، اليمن، العراق، سوريا..) التي تطبق قاعدة الرد حماية للإناث من العصبة. وقاعدة الرد ليست استثناء، بل قاعدة أقرها وقال بها جمهور الصحابة والتابعين، وهو مذهب الحنفية والحنابلة والشيعة والامامية والزيدية ومتأخرو المالكية والشافعية. والمطالبة باعتماد قاعدة الردة في مدونة الأسرة لتشمل كل الحالات التي لم ترزق فيها الأسر ذكورا إلى جانب الإناث، ليس بدعة ولا “تآمرا على الإسلام” كما يتوهم الإسلاميون، وإنما هو عمل بما طبقه الرسول (ص) والصحابة وقال به الأئمة.

الاموي_حوار_Raoudnews_mostafa_raoud.jpeg نوبير الأموي يتحدث

ذاكرة إعلامية.. نوبير الأموي يتحدث عن تأسيس CDT وقضية التطبيع مع إسرائيل.

أجرى الحوار:  المصطفى روض 

نواصل نشر المزيد من حوارات الداكرة الإعلامية المرتبطة بتجربة نشاطنا الإعلامي الطويل سواء في المغرب او في المشرق العربي.

و اليوم نختار لقارئ مدونة روض نيوز حوارا مع الراحل السي محمد نوبير الأموي سبق نشره في مجلة “الحرية” الفلسطينية  يتحدث فيه عن تجربة الكنفيدرالية الديمقراطية للشغل و على القضية الفلسطينية.

الصراع الطبقي في المغرب حالة متميزة و متقدمة على ما هو عليه في باقي البلدان العربية. و عند الحديث عن الطبقة العاملة المغربية لا بد من التوقف أمام دور الكنفدرالية الديمقراطية للشغل، إذ منذ تأسيس هذه المنظمة النقابية سنة 1978 تمكنت من الاضطلاع بدور هام في كفاح الطبقة العاملة المغربية ضد كل أشكال الاستغلال الممارس عليها و ضد كل السياسات الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية المجحفة التي على أساسها تسترشد الحكومة المغربية بنصائح صندوق النقد الدولي و و توجيهاته التي زادت من تفاقم الأوضاع المزرية اقتصاديا و اجتماعيا في المغرب.

تأسيس الكنفدرالية شكلت انعطافة نوعية في المسار النضالي للطبقة العاملة المغربية، فما هي الأسباب التي دفعت مجموعة من رفاق الشهيدين المهدي بن بركة و عمر بنجلون لتأسيس الكنفدرالية؟

 في هذا الحوار الذي نشرته مجلة “الحرية” الفلسطينية بداية عام 1987 يجيب المناضل نوبير الأموي على هذا التساؤل و يوضح العديد من الأمور النقابية العمالية و يتطرق لزيارة شمعون بيريز للمغرب و لحرب المخيمات في لبنان.

الحرية: عام 1978 تأسست الكنفيدرالية  الديمقراطية للشغل كتيار خرج على نهج الاتحاد المغربي للشغل و عن إطاره. و هذا التأسيس رافقه شعار تصحيح المسار النقابي والسياسي و النضالي للطبقة العاملة المغربية، فما هي خلفية التأسيس و المبادئ النقابية و السياسية التي قام عليها؟

نوبير الأموي:  لم يكن المؤتمر التأسيسي إلا إعلانا شكليا لواقع أصبح سائدا في صفوف الحركة النقابية المغربية، إذ أن القيادة النقابية البيروقراطية لما يسمى الاتحاد المغربي للشغل كانت قد اختارت نهجا استسلاميا مع خصوم الطبقة العاملة المغربية منذ أوائل الستينات، و تحديدا منذ منتصف عام 1961 حين كان اليسار المغربي و في طليعته الطبقة العاملة يخوض صراعا ضاريا ضد البورجوازية الهجينة و بقايا الاستعمار من أجل استكمال تحرير الاقتصاد و دمقرطة المجتمع المغربي و ربط كفاح الجماهير المغربية بحركة التحرر العربية و العالمية. و تمثل هذا الاستسلام في فك ارتباط الحركة النقابية المغربية بحركة التحرر الوطني ببلادنا كشرط أساسي للإبقاء على المصالح التي اكتسبتها القيادة النقابية، كان التعامل في أول الأمر مقنعا و خافيا، و لكن سرعان ما انكشف الأمر للجميع و بالخصوص لأوسع الجماهير العمالية التي واجهت بشجاعة 

و وعي الشعارات التي أطلقتها القيادة النقابية لحصر الحركة النقابية في النضال من أجل الخبز فقط و إبعادها عن العمل السياسي و تهميشها في الحياة الاجتماعية و إبقائها بعيدة عن خوض الصراعات السياسية؟

قمع عام 1963 أخر ولادة الكنفدرالية

كانت المؤشرات الأولى تبدو عقب حركة الإضرابات التي عمل الجهاز البيروقراطي على إجهاضها في حزيران و كانون الثاني عام 1961، و توج ذلك بالشعارات التي عملت القيادة على تمريرها في المؤتمر الثالث الذي انعقد في كانون الثاني من عام 1963 بالدار البيضاء حيث كان التقرير و التوجيه العام يؤكدان على أن المنظمة النقابية مستقلة إيديولوجيا و سياسيا و تنظيميا عن كل الأحزاب.

الانتفاضة_الفسطينية_Raoudnews_mostafa_raou

الانتفاضة_الفسطينية_Raoudnews_mostafa_raou

و من أجل تمرير المسألة لجأت القيادة النقابية إلى تعليق مبدأ الديمقراطية الداخلية، و في هذا الإطار ووجه النقابيون الطلائعيون بحملة إرهاب قصد منها حرمانهم من حضور المؤتمر حيث اعتمد مبدأ اختيار المندوبين من القيادة بدلا من انتخابهم، و الذين استطاعوا عبر ضبط القاعة حضور المؤتمر تم منعهم من المشاركة فيه، و نذكر أن في مقدمة هؤلاء كان الشهيد عمر بنجلون الشيء الذي دفع البريديون  للانسحاب احتجاجا، و إثر ذلك فتح النقاش واسعا حول توجهات المنظمة النقابية و سرعان ما اتبعه صراع داخلي قوي في مختلف الفيدراليات و الفروع و كاد ميزان القوى أن يتغير لصالح النقابيين الملتزمين بمبادئ انتفاضة 20 مارس 1955،

و لكن صيف عام 1963 شهد ضربة واسعة للحزب الذي كان يقود آنذاك حركة المعارضة اليسارية و هو الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، و شمل القمع العديد من الأطر النقابية، و مع ذلك تواصل الصراع في ظروف صعبة داخل المنظمة النقابية رغم الظروف الاستثنائية التي كانت تعيشها البلاد آنذاك. و رغم الشلل الذي أصاب النشاط السياسي و النقابي تواصلت انتفاضات عديدة في الكثير من الفروع لتتوج فيما بعد بانسحاب العديد من القطاعات على رأسها رجال التعليم، و نبدأ بحركة تصحيح قطاع تلو القطاع. و لكن  القمع الطبقي كان بالمرصاد لهذه التغيرات حيث شهد كل عام موجة من القمع ذهب ضحيتها العديد من المناضلين التقدميين و كذلك  العديد من المناضلين النقابيين في عام 1978، و بحكم المتغيرات التي عرفتها الوضعية الداخلية للبلاد و الهامش الديمقراطي الذي كرس، استطعنا أن ننطلق من جديد فتأسست ثماني نقابات في أهم القطاعات لتعلن عن تأسيس الكنفدراية الديمقراطية للشغل.

أما عن المبادئ التي قامت عليها الكونفدرالية يمكن القول إن أهمها تحقيق وحدة الطبقة العاملة، و من هنا فهي نقابة وحدوية و على أساس ترسيخ الديمقراطية، كما أنها قامت على أساس البعد القومي كفصيل من فصائل حركة التحرر الوطني العربية. لقد فرضت منظمتنا حضورها خصوصا في العديد من المناسبات بجانب قوى التحرر العربي، و هي منظمة جماهيرية و مفتوحة لجميع فضائل الشغيلة المغربية على اختلاف توجهاتها السياسية و الإيديولوجية، و قامت على مبدأ أساسي و جوهري و هو الارتباط بحركة التحرر الوطني و الاستقلال الإيديولوجي و التنظيمي عن كافة الأحزاب و التنظيمات السياسية.

الحرية: ذكرت ضمن المبادئ التي قامت عليها منظمتكم النقابية منذ انطلاق النضال لتحقيق وحدة الطبقة العاملة المغربية، و نعرف جيدا منذ تأسيس الكنفدرالية إلى يومنا هذا أن الوحدة العمالية مستهدفة بسبب التعدد النقابي الناجم عن التعدد السياسي الحزبي، و لحد الآن لم تتحقق هذه الوحدة لأن تحققها على الأرض رهين بالأداة و الأجهزة النقابية المنقسمة على نفسها، و من خلال ذلك وحده يمكن تحقيق الوحدة العمالية، فأي رأي تحملونه عن هذه المسألة ؟

نوبير الاموي:  إن مفهوم الوحدة نسبي، و الوحدة ليست بالأساس وحدة التنظيم، و لكن لا بد أن تكون وحدة الموقف و وحدة النهج و الاختيار، و حتى حيثما تكون منظمة واحدة  فغالبا ما تكون الوحدة مفترى عليها، إنها قسرية بحيث ما من مجتمع  حيثما يوجد حزب واحد و نقابة واحدة فبالتأكيد هناك تيارات داخل هذا الحزب أو تلك النقابة، الشيء الذي يشكل تعددية داخلية.

و في شروط بلادنا حيث هناك تعددية سياسية لم تكن في يوم من الأيام مع التعددية النقابية لسبب بسيط، و هو أننا نعتبر وحدة الطبقة العاملة شرط أساسي لخوض الصراع الطبقي مع خصومها و لتتويج هذا الصراع بانتصار حقيقي، فالوحدة العمالية بالنسبة لنا تبقى هدفا و مبتغى و سلاحا. و الذين كانوا وراء التعددية هم من خلق و دعم النقابات الطفيلية، و هؤلاء هم، أيضا، مسؤولون نقابيون لم يستوعبوا التحولات التي عرفها مجتمعنا، و انبطحوا أمام الإغراءات و الامتيازات في بعض الأحيان بالتهديد بمصادرة امتيازاتهم، فأداروا ظهورهم للطبقة العاملة،

رغم ذلك حرصنا على تصحيح وضعنا من خلال الصراع الداخلي، و لكن تبين لنا فيما بعد أن اختيارهم كان حاسما على المستوى الإيديولوجي و السياسي و على المستوى الاقتصادي و الاجتماعي، فقد تحول الكثيرون منهم إلى أرباب عمل و إلى مجموعة من الأغنياء و المضاربين و الأثرياء، و هم لا يمتون بصلة إلى واقع الطبقة العاملة الشيء الذي جعلنا نقود حركة التصحيح من خارج الاتحاد المغربي للشغل. و مع ذلك، فليست التعددية جريمة، إنها لا تخلو من بعض الايجابيات. الواقع الأوروبي يشهد، الآن، توجهات سياسية و إيديولوجية تسود الطبقة العاملة و بالتالي فلليسار نقابته كما لليمين نقابته التي تروج لإيديولوجيته و لسياسته،

و رغم أن هنالك اختلاف عميق، فهم يلتقون حول برنامج للكفاح المشترك، و الأمثلة كثيرة من فرنسا و إسبانيا و البرتغال و العديد من الدول التي تعرف حياة نقابية متعددة و نشطة. بالنسبة لنا، أقول، رغم أننا كنا مضطرين كي نتجاوز واقعا أصبح سائدا، واقع التفتت و التمزق الفعلي للطبقة العاملة و الشلل و الجمود، فإننا لا نلغي من حسابنا واقع هذه النقابات الأخرى الشيء الذي جعلنا نناشدها في كل مناسبة لاتخاذ مواقف موحدة، و سيبقى نضالنا مستمرا من أجل بناء التنظيم الوحيد. 

ما نطرحه نحن هو وحدة فعلية تشارك فيها القواعد العمالية على مستوى الممارسة اليومية، و لنا العديد من المناضلين من المؤسسات يمارسون نشاطات في بعض النقابات الأخرى حفاظا على وحدة صفهم داخل المؤسسة و داخل القطاع و من أجل تفويت الفرصة على أرباب العمل  و على بعض الإدارات التي تلعب على التعددية النقابية في القطاع أو المؤسسة،

و في مناسبات كثيرة طرحنا برنامجا من أجل اتخاذ موقف موحد تجاه الزيادات في الأسعار أو تجاه بعض الهجمات الطبقية على مكتسبات الطبقة العاملة، لكن موقف بعض النقابات كان سلبيا علما أن هناك نقابات أخرى تتجاوب مع هذا الطرح و نأمل في المستقبل أن يرتقي هذا الانسجام في الموقف إلى تعاون حقيقي من أجل وحدة برنامج نضالي كما تطرح ذلك قواعدنا لمواجهة الوضعية الاجتماعية و الاقتصادية المتردية للطبقة العاملة المغربية.

اتهامنا بالتبعية ليس غريبا عنا

الحرية:  لقد كنتم دائما تؤاخذون على الاتحاد المغربي للشغل تبعيته للحكومة. و هناك من يقول أن الاتحاد المغربي للشغل إذا كان تابعا سواء للحكومة أو للاتحاد الوطني للقوات الشعبية، فإن الكنفدرالية  الديمقراطية للشغل تابعة للإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية. فماذا تقولونه في هذا الصدد؟

نوبير الاموي: إن هذا غير صحيح على الإطلاق! الكنفدرالية تنظيم نقابي مستقل في قراراته و مواقفه و ممارساته، و هذا شيء يعلمه الجميع. نعم، إن الكثير من الأطر المناضلة داخل الإتحاد الإشتراكي هي التي قادت حركة التصحيح. و هذا شيء طبيعي بحكم أن هذا الحزب هو أهم حزب في الساحة المغربية، يجسد قوى اليسار و يقود حركة المعارضة، و ذلك ليس بجريمة و لكن الذين يتعمدون مغالطة الرأي العام، أو جزء من الرأي العام الداخلي، هم خصوم الطبقة العاملة، فقديما كانت الحركة النقابية متهمة حتى في أوج نقائها (الستينات) بهيمنة الحزب عليها،

و كان بعض الرفاق يطرحون آنذاك بأـن الحركة النقابية يجب أن تستقل، و كان مفهوم الاستقلال أن يفك ارتباطها عن كل اليسار و بالضبط الحزب المعارض آنذاك. و الآن، يحاولون إلصاق هذه الحكايات بالكنفدرالية الديمقراطية للشغل، و هم بذلك يرددون ما قاله وزير الداخلية المغربي في العديد من المناسبات، بان هذه النقابة تابعة للاتحاد الاشتراكي حتى يدفع ببعض التناقضات إلى العصف.. حيث لا تكره الدولة، أن يكون لكل حزب نقابته.

لكن الطبقة العاملة المغربية تعي جيدا، و هي تعيش حياة نقابية واعدة، أن قراراتها و مواقفها سواء على مستوى المؤسسة أو القطاع، على المستوى المحلي أو الوطني، أنها مستقلة في هذا القرار، و نحن، في نفس الوقت، لا نخفي ارتباطنا، ليس مع الإتحاد الاشتراكي فحسب، و إنما مع كل قوى التحرر في بلدنا حيث تتواجد كل التيارات العمالية المنخرطة في تنظيمات اليسار ببلادنا، و قراءة لمسيرة الكنفدرالية و لمواقفها تبين ما إذا كانت هذه النقابة محتواة من أي جهة كانت أم مستقلة.

الحرية: نعلم أن ثمة قوة يسارية كانت في السابق، و ما زالت إلى يومنا هذا، لم تشاطركم الرأي نهائيا لا في التأسيس و لا في خروجكم من إطار الاتحاد المغربي للشغل، فمنا هي القوى اليسارية الأخرى التي تناضل معكم داخل الكنفدرالية الديمقراطية للشغل؟

نوبير الأموي:  لقد تفرق اليسار و أصبح قوى متعددة. بالنسبة لرفاقنا في حزب التقدم و الاشتراكية و رغم مشاطرتنا لهم الكثير من المواقف و التوجهات، فنحن نسجل عليهم تحفظهم على تأسيس مركزيتنا النقابية، سواء قبل الإعلان عن هذا التأسيس أو فيما بعد. و هم يعتبرون تأسيس الكنفدرالية عملا انشقاقيا رغم أنهم يعلنون إدانتهم للممارسات البيروقراطية و الانتهازية التي تسود داخل الاتحاد المغربي للشغل. و نسجل، أيضا، التحول الحاصل في موقفهم حيث يعتبرون، الآن، أن التعددية النقابية واقع لا مجال لإنكاره أو إلغائه و بأن الكنفدرالية تحظى بتمثيلية واسعة و بمصداقية مواقفها و سلامة خطها النقابي و النضالي.

في العديد من اللقاءات سواء مع الديوان السياسي لحزب التقدم و الاشتراكية أو مع قواعدهم، نجدهم متشبثون بوحدة الطبقة العاملة على المستوى التنظيمي و يعترفون صراحة بظاهرة الانحراف و التفسخ في خط الاتحاد المغربي للشغل و عاجزون، في نفس الوقت، عن تصحيح المسار الذي سارت عليه هذه النقابة.

هناك فصيل يساري آخر كان يمارس نشاطه في ظروف استثنائية واجه في البداية  تأسيس الكنفدرالية بتحفظ، لكنه سرعان ما انحاز انحيازا مطلقا بعد أن تجلى موقف مركزيتنا من القضايا الوطنية  و انخراطه في صراع ضار مع قوى الاستغلال، و هذا الفصيل هو منظمة العمل الديمقراطي الشعبي التي انحازت بالمطلق لمركزيتنا و يتحمل مناضلوها مسؤوليات ، أيضا، داخلها. و هناك فصائل أخرى من اليسار متواجدة داخل تنظيماتنا النقابية و لقد عكس المؤتمر الثاني الذي انعقد في نهاية نونمبر هذا الواقع الذي يغني الحياة النقابية و يقوي أطروحاتنا السياسية و الإيديولوجية و يدعم صراعنا الطبقي مع خصومنا.

قوتنا ازدادت بعد كل حملة مواجهة ضدنا

الحرية: منذ 20 يونيو 1981 في الإضراب الوطني الذي شهده المغرب آنذاك، و الذي على إثره تعرضتم للاعتقال بجانب رفاقكم في المكتب التنفيذي، و إلى يومنا هذا و الكنفدرالية تواجه مصاعب كثيرة على مستوى استنهاض الموقف الطبقي، كما كان عليه سابقا، في مواجهة الطبقات الاستغلالية في المغرب، فما هي بالضبط هذه المصاعب التي تواجهكم اليوم؟

نوبير الأموي:  كان طموحنا، منذ انطلاقة حركة التصحيح، بأن نعود إلى الوضع السابق الذي كان سائدا في بداية الستينات حيث كانت الطبقة العاملة هي رأس الرمح في الصراع الاجتماعي و الاقتصادي و السياسي في بلادنا و الذراع القوي لحركة التحرر فيها، و لكن الواقع المغربي شهد تحولات عميقة اكتشفنا  معها فيما بعد أن العودة إلى وضع الستينات و نهاية الخمسينات كان وهما و هو شبه مستحيل. لقد اختل ميزان القوة بشكل كبير لصالح اليمين و البورجوازية التي لم تكن لها أسنان، أصبحت لديها أسنان و أنياب و استولت على وسائل الإنتاج و تمتلك ثروة هائلة و أصبحت شريكا أساسيا للسلطة في البلاد. اليسار عرف شرخا قويا و لم يعد هناك حزب واحد، بل مجموعة أحزاب و العديد من التيارات و التنظيمات، مع ذلك، يبقى هذا المطمح قابل للتحقيق و إن لم يكن واردا في الأمد المنظور،

لقد كان الصراع السياسي بعد تدجين الحركة النقابية و فك ارتباطها مع قوى التحرر محصورا في كفاحات سياسية و كان تعبيرا عن واقع طبقات اجتماعية أكثر منه صراعا اجتماعيا ملموسا، إذ تمكن اليمين من شل كل الفعاليات النقابية، و منذ تأسيس الكنفدرالية اعتبرنا أن الصراع الطبقي لم يعد مقصورا على الواجهة السياسية بل أصبح، أيضا، مدعما بنضالات الطبقة العاملة على المستوى الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي الشيء الذي ساهم في تغيير موازين القوى و خلق مناخا جديدا في نهاية السبعينات و بداية الثمانينات.

و هذا ما تنبه له خصوم الطبقة العاملة و ما جعلهم يستشعرون مخاطر استمراره و تناميه مما حدا بهم لكي يرتكبوا العديد من الحماقات، فقاموا بهجمة أبريل عام 1979 ضد نضالات فصائل مهمة من الطبقة العاملة خاصة إخواننا رجال التعليم و الصحة و باقي القطاعات الاقتصادية من بترول و غاز و صناعة السكر..

و لأول مرة أصبح حق الإضراب مصادرا، بل و العمل النقابي المستقل و الهادف و المسؤول مستهدفا، مع ذلك، استطعنا أن نمتص الضربات العديدة التي وجهت لنا في العديد من القطاعات سنة  1979 لننهض من جديد و نواصل كفاحاتنا وصولا إلى الآن و مرورا بإضراب 20 جوان 1981 الذي كان إضرابا وطنيا عامأ، أحي في ذاكرتنا الإضراب الملغى في حزيران 1961، رغم حالة القمع التي عشناها و المتمثلة في اعتقال الآلاف من مناضلينا و طردهم من عملهم و حظر نشاط مركزيتنا حظرا فعليا و تم إغلاق مقراتنا.

إن إلغاء الكنفدرالية لن يكون بقرار، بل على العكس مما كان يهدف إليه خصومنا، أصبحت أكثر تجذرا و لو أن نشاطها أصبح لا يكتسي العلنية الذي كان يكتسيه قبل حزيران 1981. العمل النقابي دائما يواجه صعوبات، لكن الصعوبات التي يواجهها اليوم مضاعفة، فمن جهة، هناك واقع الأزمة الاقتصادية و الاجتماعية التي تخنق بلادنا بفعل هيمنة مراكز القوى الرأسمالية الدولية و توجيهات صندوق النقد الدولي الذي يستهدف تصفية العديد من المكتسبات الاجتماعية. و الحركة النقابية لم تعد في موقع يجعل قدرتها قوية على المساومة، إذ أن الملايين من اليد العاملة في حالة بطالة، مما يشكل احتياطيا قويا للرأسمال المحلي كي يواجه أي كفاح عمالي،

من جهة أخرى، هناك ظاهرة الجزر التي يشهدها الصراع الطبقي، فالنضال ألمطلبي لم يعد يمتلك نفس الأسلحة التي كان يمتلكها في ظروف مراحل سابقة. و ما هو مطروح اليوم، هو الارتقاء بالصراع إلى المستوى السياسي لأن الأزمة ليست اجتماعية و اقتصادية بقدر ما هي أزمة سياسية و أزمة غياب أو تغييب الديمقراطية في البلاد. فلتجاوز كل المصاعب الظرفية و المزمنة نعي جيدا أن كفاحنا لن يؤدي إلى انتزاع المزيد من المكاسب، إلا إذا داء في إطار إستراتيجية نضالية لكل قوى اليسار في المغرب. من هنا تأكيدنا المستمر و الملح على بلورة برنامج إنقاذ وطني تساهم فيه كل القوى الحية.

سنناهض دعوات المصالحة مع إسرائيل

الحرية: بأية آفاق إسترايجية أمريكية تأتي زيارة شمعون بيريز إلى المغرب؟

نوبير الأموي:  اعتبرنا في وقتها أنها محاولة لاختراق الصف العربي و محاولة لتوريط بلادنا في مسلسل التسويات الوهمية التي تحاول الامبريالية الأمريكية و الصهيونية العالمية أن توهم بها جزء من الأنظمة العربية و صولا إلى تمرير مخططها ألاحتلالي و التصفوي  للقضية الفلسطينية. قد تتساءلون ما هو موقف الكنفدرالية الديمقراطية للشغل عقب زيارة بيريز للمغرب؟ كان موقفنا متجاوبا مع جماهيرنا العربية و هو موقف منسجم مع مبادئنا حيث نرى أنه لا بديل عن الثورة الفلسطينية و أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي و الوحيد للشعب الفلسطيني.

كانت هناك الكثير من الملابسات، و سكوت ذهب بالبعض إلى حد التساؤل فيما إذا كانت بعض الفصائل على علم بالزيارة. فنحن نؤكد بأننا سنناهض كل المواقف التي تدعوا إلى المصالحة مع الكيان الصهيوني و ربط الجسور معه داخل بلادنا و على امتداد الساحة العربية. لن نكون بديلا عن الثورة الفلسطينية و نعتبر أن المخطط الامبريالي – الصهيوني قد انكشف بما فيه الكفاية،

فلا “كامب ديفيد” الذي قاده السادات قد حقق التسوية و لا محاولات الاتصال مع العدو الصهيوني اللاحقة قد كانت صادقة. نحن مستعدون للمساهمة في أي عمل  نضالي و تعبوي يخدم قضية تحرير الأرض السليبة، و برهنا بالملموس على امتداد ثماني سنوات منذ التأسيس بأننا مع الثورة الفلسطينية بكل فصائلها و مكوناتها، نأمل في أن يكون إسهام الطبقة العاملة إسهاما فعليا و شجاعا في مساندتها للثورة الفلسطينية.

الحرية: أكيد أنكم تتبعتم التطورات الحاصلة في المخيمات الفلسطينية بلبنان و خاصة حرب حركة “أمل” على هذه المخيمات. كيف تنظرون لهذا الحرب، لأسبابها و أبعادها؟

نوبير الأموي:  هناك مخطط امبريالي صهيوني ينفذ على امتداد الساحة العربية، لتشغيل كل القوى العربية الفاعلة عن مهامها في مساندة الثورة الفلسطينية و في دعم استقلالها الوطني و في تنمية إمكانياتها الاقتصادية و تحقيق الوحدة النضالية العربية؛ مخطط يرمي إلى شل كل الفعاليات الثورية و شغلها عن القضايا الأساسية و عزل الثورة الفلسطينية. و ما يجري في لبنان، ليس بريئا، فهو، من جهة، حلقة في مسلسل العدو الصهيوني و القوى الرجعية و بعض الأنظمة العربية التي تورطت – للأسف – في هذه المخططات.

و بدل أن تواجه العدو الصهيوني، أصبحت تواجه الوجود الفلسطيني في لبنان. هناك أكثر من طرف متورط في حرب المخيمات، الأمر لا يقتصر على حركة “أمل” التي تحولت من حركة داعمة للنضال الفلسطيني إلى حركة مناهضة حتى لمبدأ وجوده في لبنان  و في جنوبه إلى حد أن القذائف تساقطت حتى الآن على مغدوشة و مخيمات صبرا و شاتيلا، تأتي من طائرات صهيونية و من مدفعيات حركة “أمل”، و ما لم تستطعه إسرائيل في صيف 1982 و ما عجزت عن تحقيقه في هذه الفترة، تضطلع به اليوم حركة “أمل” بدعم واضح من الأطراف العربية. هناك مخطط صهيوني – امبريالي يتقاطع و يلتقي مع مخططات متعددة للرجعية و بعض الأنظمة، مخطط يتم على أساس اجتثات الثورة الفلسطينية، ليس من الأرض اللبنانية فحسب،

و لكن من كل الأراضي العربية و عزل الشعب الفلسطيني المكافح وصولا إلى تصفية وجوده و كسر بندقيته. و مصير حرب المخيمات لن يكون سوى مصير الحروب السابقة التي قادتها إسرائيل و مؤامرات بعض الأنظمة العربية على الثورة الفلسطينية، و كل من يسيء للثورة الفلسطينية يحكم على نفسه بالنهاية، لأن مصداقية أية حركة و أي نظام يتعلق بالأساس من موقفه تجاه الثورة الفلسطينية.