habchi_ahmed_Raoudnews_mostafa_raoud.jpeg مسارات مشتركة

مسارات مشتركة

بقلم: أحمد حبشي

كلما صحوت من غفوتي واستعدت بعضا من صفاء روحي، تنساب دافقة كل اللحظات الزاهية من أيامي، رياحين بهجة في مساحات انشراح، ارنو إلى حيث تسامت أولى خطواتي، الأحضان التي رعتني واسعدتها اشراقة طلعتي، والدتي ثم والدي، والوارع التقي الكريم خالي، الحنفي كما كان الجميع يناديه. زياراته لبيتنا كانت تسعدني، حيث كان يخصني بحدب وعطف وارف، لا يقابلني إلا والبسمة تلف كل تفاصيل محياه، يعاكس كل حركاتي، لا يتركني ليقبل رأس والدتي، حتى يتعالى صوتي طالبا النجدة بأن يكف عن رفع منسوب رعشة جسدي، وما يثير بي من ضحك مصحوب بصراخ. هكذا ظل يخصني بمودة دافقة وحنو بهي. لم أكن وحدي المشمول بفضائل كرمه، كنا سبعة أخوة أنا خامسهم، أغدق علينا من كرمه ما خفف عن الأسرة من ضيق أحوالها. فتقديره لوالدتي كان لافتا، كل امكانياته كانت رهن اشارتها، لا يتردد لحظة في الاستجابة لما تراه أو تأمل تحقيقه، علاقة مودة صاخبة تضايقت منها نساء الخال وكان لها كبير الأثر على استقراره الأسري، فقد عرف خمس زيجات في حياته، لا واحدة من نسائه رضيت ان تعيش تحت رحمة سيدة أخرى، لا تغادر بيتها إلا رافقتها حيثما أرادت، تختار لها كل ما هي في حاجة إليه حتى وهي تعيش في بيت بعيد بأمتار عن بيتنا، بل انتهى ببعضهن العيش معنا في نفس المنزل، حيث أصبحنا أسرة واحدة الوالدة ربتها. لم يتغير الحال إلا بعد أن استعصى على خالي تطليق إحدى زوجاته وتزوج ثانية أثناء مرحلة التقاضي، فأصبحت في عهدته زوجتان بعد أن حكمت المحكمة بعودة الراغبة في الطلاق إلى بيت الزوجية، استسلمت لقرار القضاء بعد سنتين تقريبا من إصراها على أن لا تعود إلى ذات البيت الذي لم يعد يخصها لوحدها. طبيعة علاقتي بوالدتي وخالي جعلتني مواكبا للحظات النزاع وكل حالات الطلاق التي انتهت بها بعض علاقات خالي بزوجاته. في ثاني طلاق لم يكن سني يتجاوز السابعة، فشلت كل محاولات الصلح أمام إصرار الزوجة على عدم الرجوع إلى بيت الزوجية، ولم يتمكن الفقيه الذي تم اللجوء إليه ليعيد العلاقة إلى سابق عهدها وتحقيق رغبة الخال في ذلك، بكل ما اعتمده من تعاويد وتسخير الجان لإرغام الزوجة المصرة على قطع كل الأواصر، للعودة إلى بيت الزوجية. استقدمتني والدتي ذات صباح لبيت الخال بطلب من الفقيه، لأساهم في عملية

استحضار أعوانه من الجن، وتسخيرهم ليرغموا الزوجة على الرجوع إلى البيت طائعة منصاعة. جلست أمام الفقيه الذي أعد ورقة بيضاء ووضع أسفل ما كتب فيها نقطة كبيرة من الحبر الأسود ( الصمق). أنزل الورقة أمامي وطلب مني ان أنظر إليها طويلا وان لا أتكلم حتى وإن سألني. بعد مدة من التركيز طلب مني أن أبلغ، دون أن أرفع عيني عن الورقة ولا ان أرفع صوتي، للرجل الذي أراه وسط النقطة السوداء، بأن الفقيه يأمره بأن يذهب إلى بيت فطومة (وهو اسم الزوجة) ويحثها على أن تعود إلى بيتها. كنت فعلا أرى كل ما كان يقوله لي الفقيه، ووالدتي منبهرة بما يحدث أمامها، أستجيب لتعليمات الفقيه ورهبتي تتسع بفعل ما كنت أراه، والشخص الذي أخاطبه يتفاعل مع ما أنقله إليه من تعليمات الفقيه. لحظة رهيبة لم تفارقني زمنا ممتدا من حياتي، أستعيد تفاصيلها كلما صادفت حديثا حول الشعوذة وقوة تأثيرها حين يكون المرء في حاجة لمن يساعده على الخروج من ورطته. لم تنجح كل محاولات الفقيه في إعادة الرابطة الزوجية إلى سابق عهدها. بل سرعان ما أصبح الحديث في أوساط العائلة عن زواج طليقة الخال من أحد العازفين على آلة العود المعروفين بالمدينة. لم يلبث الخال أن تزوج للمرة الثالثة، بعد أن تمكنت والدتي من ترتيب زواجه الجديد بمساعدة إحدى معارفها في الجوار. عشنا لفترة في تناغم تام، ساد احترام وتواصل هادئ بين الوالدة وكنتها الجديدة، كل في بيتها تدبر شؤون أيامها، نلتقي في مناسبات متباعدة، خصوصا الأعياد الدينية، فقد كان من تقاليد الخال أن يكون عشاء اليوم الأول من عيد الأضحى في بيتنا، تتكفل الوالدة بطهي جزء من لحم خروفه، وبالضبط الكتف الأيمن حسب الأعراف، ويقدم كوجبة مشتركة بين الأسرتين. أمر اعتدناه على مر السنوات، وهو ما كان مختلفا بالنسبة لأعراف والدي الذي كان يصر على أن نكتفي في اليوم الأول للعيد بتناول أحشاء الخروف فقط بينما يقدم رأسه في وجبة فطور اليوم الموالي. في ليلة وضع الحمل الأول للزوجة الثالثة، رافقت والدتي وحضرت لحظة الانجاب في كل تفاصيلها، أتابع ما تقوم به المولدة وما تقدمه الوالدة في مساعدتها من خدمات بانتباه وسرعة مطلوبة، وفي لحظة أغمي علي وأنا أتابع ما يخرج من احشاء زوجة خالي بعد أن قل صراخها وشلت حركاتها. كان المولود ذكرا، رفع ازدياده من منسوب سعادة خالي وعشنا في رحاب فرحته حبورا فائضا، إذ كان اول مولولد يعيش في كنفه، بعد ان حرم من أن يعيش بكره بين أحضانه.

أيام توالت وأواصر المودة زادت، كان الخال يتهادى في حبور بادخ، خصوصا بعد أن ازدان فراشه بمولود ثاني، طفلة اختار أن تحمل اسم والدته فاطمة، تيمنا بها وتكريما لذكرى الجدة وما تحملت من شقاء في حفظ سيرته وتقوية حضوره في ما اختاره كمهنة، وما شب عليه كفلاح احترف تربية المواشي والعيش من وارداتها. كانت الجدة، منذ وعيت بمحيطي وهي مقعدة لا تقوى على الحركة، فاقدة القدرة على أن تعتمد على نفسها في قضاء حاجاتها. كل ما عرفته في أحاديث متفرقة عن سيرتها، أنها تكفلت بأبنائها الثلاثة بعد أن توفي زوجها الذي غادر قريته مكرها وقد طردته القبيلة متهمة أياه بقتل أحد جيرانه، نزحوا من إقليم زاكورة ليستقروا بضواحي مدينة برشيد حيث وفته المنية. بعد أن مرت مدة على وفاته نزحت الجدة رفقة أبنائها الثلاثة للعيش بمدينة الدارالبيضاء، سكنت اسطبلا كان به مأوى للعابرين واحترفت بيع الحليب ومشتقاته كبائعة متجولة ببعض الأحياء. لم يفارق الخال والدته ولا تهاون في إسعافها، عندما فقدت كل طاقاتها وأصبحت لا تقوى على تحريك أعضائها وضبط أوقات نومها. أنينها المتواصل كان يزيد من توثر كل من يحيط بها، فهي لا تقوى على المكوث ممددة على ظهرها ولا تستطيع الجلوس حتى وهي مسنودة من أطرافها لتناول وجبتها اليومية أو قضاء باقي حاجاتها. كثيرا ما كانوا يتجاهلون طلباتها او استجدائها للمساعدة لتغيير وضعها. من حين لآخر كان يزورها فقيه يضعها بين يديه ويقرأ آيات بصوت خافض كأنه يناجيها، فتستعيد هدوءها وتخلد لنوم عميق. لم يكن الخال يبخل عليها بكل ما هي في حاجة إليه. الكل كان يتحدث عن الجدة بكثير من الشفقة، مستعرضين حيويتها وما قدمته من خدمات لأسرتها وكل أقربائها. ماتت الجدة بعد أن تمكن الفقيه الذي كان يزورها من حين لأخر في مساعدتها على الوقوف وتحريك جزئيا أطرافها. كان المصاب جللا جعل مراسيم العزاء تمتد لأكثر من أسبوع، فالاستقبالات اليومية للمعزين جعلت بيتنا يعج بالحركة، بعد ان صارت زيارة العزاء إقامة لأيام لبعض المقربين من الجدة من داخل المدينة وخارجها. الأمر الذي جعل إقامة زوجة الخال تطول بيننا، لا تعود إلى بيتها، الذي لم يكن بعيدا عن بيتنا، إلا في نهاية المساء بعد ان يعود الخال من عمله وتنجز ما انيط بها من أشغال. كانت تلك فرصة لتوطيد العلاقة بين الوالدة وزوجة الخال. حيث أصبحنا لمدة كأننا نعيش في بيت واحد. الأمر الذي جعل الوالدة والخال يقران على أن يقيم الجميع في نفس المنزل، وقد أتاح هذه الفرصة أحد جيراننا حين أقر التخلي عن سكناه لفائدة أسرة الخال، وذلك بعد ان تمكن من بناء منزله الخاص، وفضل مغادرة السكن الجماعي في منزل مشترك في ملكية السلطات المحلية للمدينة.

لم يتمكن الخال من ارغام زوجته الثالثة على البقاء في منزل واحد مع الوالدة واسرتها، فقد أصبحنا أسرة مشكلة من خمسة عشر فردا، يحتاج إطعامهم والتكفل بكل حاجياتهم مجهودا مضاعفا. غادرت زوجة خالي البيت رفقة أبنائها واصرت على أن تعيش بعيدا عن صخب القبيلة وما تلزمها به من انضباط. حاول الخال تنيها عن العصيان وذلك بأن يحرمها من أبنائها، استطاع ان يستعيد الابن قبل ان تحسم المحكمة في أحقية الحضانة للزوجة، حرص على أن لا يفارقه صغيره، يأخذه معه حيث ما حل وارتحل. حتى عندما ألحقه بمدرسة للتعليم الأولي تعهد مديرها أن لا يسلم الطفل لأحد غيره، ثم كلف بعد ذلك أحد اعوانه في العمل بأن يقوم بالمهمة في غيابه. ظلت والدة الطفل تتربص به وتتحين الفرص حتى تمكنت من محاصرة العون ذات مساء واستعادت ابنها بالقوة ولجأت لأحد المنازل القريبة من المدرسة. جن جنون الخال وحاصر البيت لساعات دون أن يسترجع طفله. سيتضح بعدها ان البيت تقطنه سيدة كانت من جيران الخال وكان في صراع مستمر معها لأتفه الأسباب. وكانت تلك مناسبتها لمهاجمته في دفاعها عن بقاء الطفل في حضن امه. فشل الخال في استرجاع ابنه رغم كل محاولاته السلمية والعنيفة. كنت أتابع أطوار الصراع وانا أرتجف من الخوف، فقد كان خصومه مآزرين من طرف الجيران الذين أرغموه على الاستسلام. لم أقو على أن أحكي للوالدة ما شاهدته وعن حال الخال وهو يصارع زمرة من الأشخاص مسنودا فقط من عونه الذي كان يعتبر نفسه مسؤولا عن كل ما جرى. كنت ارتجف والوالدة تلاحقني بأسئلة متواترة، لا قدرة لي على تركيب جملة لها معنى، الأمر الذي كان يزيد من توثر أعصاب الوالدة وكل من كان يحيط بي ويرغب في معرفة تفاصيل ما جرى.

تزوج خالي للمرة الرابعة، تكفلت الوالدة بكل شيء، فقد كانت تعرف العروس الجديدة جيدا، مطلقة وأم لطفل في مثل سني، كانت تزور أختها التي كانت من أعز صديقات والدتي، تسكن بجوار بيتنا وكانت تخصنا نحن الأطفال بمودة ورأفة وحنو لأنها لم ترزق أبناء، كنا نناديها حبيبتي. جاءت العروس إلى البيت وأقيم لها حفل بسيط، ذبح الخال خروفا عند استقبالها وأقيمت وليمة على شرف من رافقها، وهم من معرفنا بالجوار. كان الخال مزهوا يحاول اشراك الجميع فرحته. لكن ما لبتت الأمور أن استعصت، فالزوجة الجديدة لم تتحمل سلطة الوالدة والعيش وفق ما تراه وما يجب أن يكون، فغادرت البيت بعد سنتين من الزواج تقريبا، تحمل معها صغيرتها في شهورها الأولى. شب الخلاف وتوترت العلاقة بعد أن اتهمها الخال بإتلاف بعض أوراقه الخاصة، فسحب منها ما كان بحوزتها من قطع ذهبية وحلي حتى يرغمها على إعادة ما أخفته عنه ويرتبط بمصلحة من مصالحه. غادرت زوجة الخال البيت وأصرت على الطلاق، لم تقو أختها على اقناعها بأن تعيد الأوراق لتستعيد مجوهراتها. استغرق النزاع بينهما مدة لم يقو الخال على العيش لوحده، فتزوج للمرة الخامسة وظل يطالب الزوجة الغاضبة بالعودة إلى بيت الزوجية. زوجته الخامسة كانت أصغر من ابنه البكر، حملها على ظهره وهو يدخلها إلى البيت لأول مرة، لم يقم احتفالا بالمناسبة، بل اكتفى بما قدمه لوالدتها الأرملة من هدايا لإعلان زواجهما. لأول مرة لم تحضر الوالدة مراسيم القران. عاشت بيننا في وئام لم تظهر يوما تضايقا من سلطة الوالدة ولا كلت من مجاراتها في ترتيب شؤون البيت وتلبية كل الطلبات. أنجنب ابنها الأول وكان الخال يتردد بين بيتنا والبيت الذي أعده لزوجته التي أرغمها القضاء على الرجوع إلى بيت الزوجية، استسلمت مكتفية بشرط واحد أن لا تعود لذات البيت الذي يعج بصخب الأغيار وقد أصبحت أما لطفلتين.

نادرا ما رأيت الخال في جلسة خاصة مع والدي بل يتجنب التواصل معه ولا يبادله الكلام إلا لماما، بل أحيانا كان يقاطعه إذا ما شب خلاف بينه وبين الوالدة، كما كان لا يطيق دعواته المستمرة له لإقامة الصلاة ومرافقته إلى المسجد. إذ كانت إقامة الصلاة عند الوالد هي معيار الاستقامة ومقياس لربط علاقاته بالآخرين. ما رأيت يوما والدي في حوار مودة مع الخال بل مرت بيهم مرحلة قاطع فيها الخال الوالد على إثر سوء تفاهم كبير واقع بين الوالد والوالدة، امتنع الخال لمدة طويلة دخول بيتنا والاكتفاء بمقابلة الوالدة عند الباب الخارجي للمنزل.

أصبح للخال بيتان بعد عودة زوجته الغاضبة حيث أسكنها في جزء من الإسطبل الذي كان يملكه بضواحي الدارالبيضاء، والذي كان يرعى به أبقارا وأغناما، يساعده في ذلك راع وامرأة تستحلب الأبقار، بينما يشرف على توزيع المنتوج والتنقل بين الأسواق الأسبوعية الموجودة بالجهة، وهو العمل الذي كان يدر عليه

ما كان يزيد عن حاجاته المعيشية. لم يستطع الخال مواصلة الحياة الزوجية المزدوجة وقضاء الليل بين فراشين، أو ربما كان بتأثير من زوجته الثانية التي تعيش معنا بذات المنزل، التي كانت تسكن في نفس الدوار حيث يوجد الإسطبل. فكان أن قرر جمع الزوجتين في نفس البيت حيث عاشتا في وئام، وصاراتا تساعدانه في رعاية الماشية وكل الخدمات المرتبطة بها. لم يلبث أن أصبح البيت يعج بأطفال متقاربي الأعمار، أنجبت الزوجة الكبرى بنتين بينما أنجبت ضرتها أربعة أبناء ذكورا. فصار مجموع أبنائه تسعة، ثلاثة بنات وستة ذكور

ظلت علاقتي بالخال في مستواها المعتاد، بل زادت متانة بعد ما حققته من تميز في دراستي ثم التحاقي بسلك التعليم وعينت بضواحي مدينة برشيد وهي المنطقة التي شب فيها قبل ان ينتقل إلى الدارالبضاء. في هذه المرحلة اتسعت الدائرة الحضرية للمدينة وأصبحت الأراضي التي يستغلها في الرعي والزراعة جزا من المدار الحضري وخاضعا للتصميم المديري في توسيع احياء المدينة. ولأنه كان في علاقة جيدة مع الشركة التي تملك حق التصرف في تجزئة الأرض التي كلن يستغلها مقابل واجب سنوي، فقد جعلوه يختار البقعة الأرضية التي يرغب في ملكيتها. لم تكن به حاجة لذلك، فسجل البقعة الأرضية باسمي، واتصل بي يبشرني بذلك. حاول اقناعي برغبته الكبيرة في مساعدتي. كان علي فقط أن أوافق على ما أقدم عليه، وان أترك له الفرصة للمواصلة مبادرته، فقد أبدى استعداده لدفع المستحقات، وأنه سيكون بجانبي في كل المحطات اللاحقة ليصبح لي بيتي الخاص ثم أعد نفسي لزواج سعيد. فاجأه رفضي واستخفافي بما دعاني إليه، طوى الموضوع وتركني على هواي. والواقع أني في تلك المرحلة كنت أنظر إلى الملكية الخاصة بازدراء، ولا أرى في تملك قطعة أرض بعيدة عن وسط المدينة سوى طموح ذاتي محدود الآفاق. لم يكن لكل ذلك أي أثر في علاقتنا الوطيدة، اهتمامه الزائد بي واحترامي وتقديري لحدبه ودافق عطفه وحنانه. كنت أقرب إليه من أبنائه، لا يطيب له الحديث إلا معي. عندما بدأ الوهن يدب في جسده أصبحت سنده وحافظ سره، كف عن مواصلة أشغاله وما كان يعتمده لتدبير شؤون بيته. أخذ الأبناء على عاتقهم توفير ما كانوا في حاجة إليه. لم يظهر يوما حاجته لمساعدتي أو دعاني للتكفل بأمر من أموره. بل فاجأني يوما بأن قرر أن يكتب لي جزء من ملكيته للبيت الذي أصبح يأوي كل أبنائه. دعاني وقد تدهورت وضعيته الصحية وأخبرني بالقرار الذي اتخذه بأن يلحقني وأخي الأصغر مني بلائحة الورثة. مؤكدا على أنه يفكر في الكيفية التي تجعلنا نستفيد من البقعة الأرضية التي يملكها كأصحاب حق، وأنه كان فقط ينتظر قرار السلطات النهائي بمآل المنطقة بعد أن تقرر الحاقها بالمدار الحضري. تحامل على نفسه للتصديق على قرار تمكيننا من حق تملك جزء من البقعة الأرضية التي يملكها والتي اعتبرها هيبة حددها في مائة متر مربع. كان ذلك بحضور أحد بناته التي كانت أقرب أبنائه إليه. بدأ وضعه الصحي في تدهور فقد معه القدرة على الحركة والاعتماد الكلي على نقسه. زادت زيارتي لبيته لأطمئن على حاله وأحواله وأقتني كل ما يخصه من مستلزمات، لم يعد يقوى على الكلام، كنت انحني حتى اقترب من شفتيه لأتبين ما يطلبه او يوصيني به، همه الوحيد كان مصير بناته، طوقني بمسؤولية الوقوف الدائم بجانبهما إلى أن تتزوجا، وأن أصرف من ماله الذي أمنني عليه، في اقتناء كل مستلزمات الدفن والقيام بكل طقوس الوداع الأخير، وأن أسدد ديونه وكل ما كان بذمته في علاقته بالآخرين.

فارق الخال الحياة ذات صباح من شهر يوليوز، هرعت إلى بيته حتى أقوم بكل ما أوصاني به. سلمت أكبر بناته ما يمكنها من اقتناء كل ما تحتاجه زوجتاه من لوازم تقبل العزاء. في أجواء العزاء اكتشفت جوانب أخرى في شخصية الخال، الحزن البالغ الذي اظهره الجيران وأصدقاؤه الذين جاءوا من مناطق خارج المدينة، كانت تربطه بهم معاملات في مجال تربية المواشي وتسويق منتجاتها. استقبلت بحفاوة أحدهم كان الخال يذكرني بالعلاقة التي كانت تربطه به، لأنه كان شريكا له في بيع وشراء المواشي. استقبلته لحظة وصوله لتقديم واجب العزاء، وفاجأته بأن بلغته أن الخال أوصاني أن أسلمه مبلغا من المال كان بذمته، أقسم وهو يشد على يدي بحرارة، بأنه لا علم له بأن الفقيد كان مدينا له بأي مبلغ من المال. أكدت له أن الخال أوصاني بأن أسلمه مبلغ عشرين ألف درهم كدين مستحق بقي بذمته، كان ينتظر فقط الفرصة ليسلمه إياه. ما إن انتهت مراسيم الدفن واكتملت طقوس العزاء في يومها الأول، سلمت صديق الخال نصف المبلغ وتواعدنا على أن أسلمه النصف الثاني عند حضوره لمراسيم مرور أربعين يوما على الوفاة، وكذلك كان. تسلم مني المبلغ وأشياء في صدره تمور، وحين استعاد أنفاسه أخذ يسرد بكثير من التفاصيل، طبيعة ما كان يجمعهما في علاقة دامت لأكثر من عقدين، استفاد كل منهما من خدمات الآخر وعلاقاته.

كان الخال معروفا في أوساط مربي المواشي بالاستقامة واحترام تعهداته. يفض النزاعات بحكمة بالغة. على ضمانته تتم عمليات البيع والشراء، يكتفي البائع بما يقره الخال وحتى ولو لم يتسلم كل المبلغ المطلوب أو المتفق عليه. كان الصديق يكفكف دموعه بين لحظة وأخرى، ويعود إلى التنويه بالخال وخصاله. لم يكن كل ذلك ليضيف شيئا لقناعتي كشاهد منذ الطفولة على استقامة ونبل رجل لم يكن يتوان في تقديم خدماته لكل أفراد العائلة صغارها وكبارها، مساهمته في إقامة الأفراح كوقوفه بكل كرمه في كل لحظات المرض والوفاة. أقام حفلا باذخا لمدة أسبوع بعد إطلاق سراحي من اعتقال دام عشر سنوات. في اليوم الثاني من الافراج عني أحضر عجلا وكل ما يلزم لإقامة الولائم والرفع من إيقاع الاحتفاء بعودة كان ينتظرها بشغف بعد فراق دام لسنوات. مدة جسد خلالها كل معاني الدعم والمؤازرة، كان السند الثابت للوالدة يمدها بكل ما يلزمها لتواظب على زيارتي حيث ما حللت ورحلت خلال مدة الاعتقال.

لا أدعي أني كنت وفيا لوصاياه، ولا لكل ما عاهدت نفسي أن أخلد به ذكراه. أخذتني الحياة في مجرياتها واكتفيت بالدعاء له والحسرة على فراقه كلما راودتني لحظة استعيد فيها بعضا من جميل ذكراه.

أحمد حبشي

 2024 ماي

احمد_حبشي_رفقة_أخته_Raoudnews_mostafa.jpeg مسارات مشتركة
احمد_حبشي_رفقة_أخته_Raoudnews_mostafa.jpeg مسارات مشتركة
دار_الشعر_مراكش_Raoudnews_mostafa_raoud.jpg شعراء من خمس قارات

شعراء من خمس قارات  في ضيافة دار الشعر بمراكش

ضمن فعاليات الدورة الثانية (2) لملتقى المعتمد الدولي للشعر

شعراء من خمس قارات  في ضيافة دار الشعر بمراكش

أماسي شعرية بمختلف الألسن ومنتدى الملتقى يستقصي “منافي الشعر.. الإقامة في القصيدة”

ضمن مبادرة حوار الثقافات لشعراء من خمس قارات” 

لحظة شعرية بمسيم كوني، احتضنها فضاء بيت المعتمد بن عباد بأغمات، ضمن احتفاء دار الشعر بمراكش بمرور سبع سنوات على تأسيسها. شعراء ينتمون الى خمس قارات جاؤوا من 26 بلدا ليلتقوا في فضاء الدار، دار الشعر والشعراء، والتي ازدانت بها الأيقونة الكونية مراكش، ذات خريف 2017، ضمن بروتوكول تعاون وتعزيزا للتعاون الثقافي المشترك بين وزارة الثقافة المغربية ودائرة الثقافة في حكومة الشارقة، وامتدادا لمبادرة خلاقة لتأسيس بيوت الشعر العربية. هذا الحدث الثقافي والشعري المتفرد، والذي عرف مشاركة 23 شاعرا وشاعرة، ومدراء لمهرجانات شعرية دولية ضمن تنسيق مع العديد من المؤسسات الثقافية المغربية (وزارة الشباب والثقافة والتواصل، قطاع الثقافة، منتدى المرأة الصحراوية، تنمية وديمقراطية في العيون، مؤسسة الكلمة للثقافة والفنون بأسفي، بيت الصحافة بطنجة)، وضمن تظاهرة “حوار الثقافات لشعراء من خمس قارات”.

لفيف من الشعراء والشاعرات المرموقين على الصعيد العالمي

التقى شعراء وشاعرات من خمس قارات يمثلون الدول التالية: الأوروغواي، الهندوراس، أزربيدجان، سلوفينيا، بلغاريا، سويسرا، كوسوفو، نيوزيلندا، الدومينيكان، الولايات المتحدة الامريكية، قبرص، ألمانيا، إيران ، كوريا، هنغاري ، إيطاليا، هولندا، بنغلاديش، الأرجنتين، الصين، نيوزيلندا، اسبانيا ، فيتنامٍ، سلطنة عمان، الكويت، والمغرب في “بيت المعتمد” قرب “سكن الملك الضليل” وهو يرقد قرب قصائده في أغمات. وحرصت دار الشعر بمراكش أن تشارك أجيال من الشعر المغربي، ضمن فعاليات الدورة الثانية لملتقى المعتمد الدولي للشعر، الى جانب لفيف من الشعراء والشاعرات المرموقين على الصعيد العالمي.

وأكد الشاعر عبدالحق ميفراني، مدير دار الشعر بمراكش في انطلاق فعاليات هذه التظاهرة،  “أن فكرة “ملتقى المعتمد الدولي للشعر”، والذي سبق للدار أن نظمت دورته الأولى السنة الماضية، تأتي في سياق نسج علاقات التعاون الثقافي بين مهرجانات وملتقيات شعرية عربية ودولية، ضمن الحاجة الماسة اليوم الى تمثل قيم الشعر الداعية للمحبة والتعايش وحرصا من دار الشعر بمراكش على استدعاء قيم “المشترك الإنساني”، والذي كان موضوعا لأحد فقرات برامجها الشعرية والثقافية”. وتضمن برنامج التظاهرة تنظيم أماسي شعرية، ومنتدى الملتقى والذي خصص لموضوع “منافي الشاعر وإقامة القصيدة”.

ويأتي تنظيم فعاليات الدورة الثانية لملتقى المعتمد الدولي للشعر، ضمن تنسيق مشترك مع العديد من المؤسسة الثقافية المغربية، ضمن سياق تظاهرة “حوار الثقافات لشعراء من خمس قارات”، وهي التظاهرة التي حطت الرحال بمدن (العيون وأسفي وطنجة والرباط ومراكش). وشھد فضاء بيت المعتمد، اليوم الأول من الفعاليات، تنظيم الجلسة الشعرية الأولى والموسومة ب “الشاعر ومترجمه”، والتقى الشعراء بمختلف ألسنهم وثقافاتهم ومرجعياتهم في “الدار” دار الشعر والشعراء بمراكش. وقدمت قراءات شعرية للشعراء: أنابيل فيلار (الأوروغواي)، نيغار أريف (أزدريبجان)، بيتر أندريج (سلوفينيا)، بيتر تشوهوف (بلغاريا)، إيرين سانتوس (جمهورية الدومينيك)، ساره احسان (ألمانيا/ إيران)، تانيا كو هونغ (كوريا)، مورجا اندريج (سلوفينيا) لورا كارافاجليا (إيطاليا)، توماس موهلمان (هولندا)، كيو بيش هو (فيتنام)، طالب المعمري (سلطنة عمان)، رشيد منسوم، اسماعيل ايت ايدار (المغرب).

منافي الشاعر و إقامة القصيدة

فيما تواصلت الفعاليات، اليوم الثاني الأحد 28 أبريل، إذ احتضن فضاء بيت المعتمد باغمات، ھذا الفضاء الذي يديره الفنان فوزي البصري وكانت الدار سباقة الى تنظيم أمسية شعرية لحظة افتتاحه، منتدى ملتقى المعتمد في دورته الثانية والذي خصص موضوعه ل “منافي الشاعر .. الاقامة في القصيدة”. وعرفت هذه الجلسة العلمية، والتي أشرف على تأطيرھا الناقد الدكتور عبداللطيف السخيري، تقديم مداخلات لثلة من الشعراء والباحثين ينتمون للقارات الخمس. منتدى “منافي الشاعر، وإقامة القصيدة”، انطلق بعتبة أساسية، إذ “كتبت السيدة دي ستايل: «أحيانًا يكون المنفى، بالنسبة لشخصيات مفعمة بالحيوية والإحساس، مُعاناةً أشدَّ قسوةً من الموت». فمنذ عوليس، مروراً بأوفيد  والمعتمد بن عباد وفيكتور هيجو، وصولاً إلى سليم بركات ومحمود درويش… ارتبطت الكتابة الشعرية بالنفي والمنفى.

النفيُ باعتباره انتزاعاً لذات الشاعر من فضاءٍ والتطويح بها خارجهُ، جَسداً و/ أو روحاً. والمنفى بوصفه هذا الفضاء الذي يستضيف الشاعر سواء أكان لغةً، أو موطنا واقعياً، أو مُتخيَّلاً… بهذا الفهم، تتعدد منافي الشاعر، وتتوحَّدُ إقامتُه في الكتابة الشعرية ذاتها، أي في القصيدة حيثُ يراهنُ على تحصين كينونته. من خلال بعض المحاور التي اقترحتها دار الشعر بمراكش على المتدخلين، لامست هذه الندوةُ تتبُّع مسارب الكتابة الشعرية التي يُلاحقُ من خلالها كل شاعرٍ كينونته من منفىً إلى منفىً، من قصيدة إلى أُخرى: شعرية المنفى: الكينونة والاغتراب؛ المنفى واستحالة العودة؛ الكتابة الشعرية: إقامةٌ في القصيدة أم مَنفىً مُضاعَف؛..”.

واختتمت الجلسة الشعرية الثانية، “شعراء بيننا”، فعاليات الدورة الثانية للملتقى، وتناوب على “تقاسم” لحظة الشعر الشعراء والشاعرات:  خوليو بافانيتي (الأوروغواي)، بيسنيك كاماج (سويسرا/ كوسوفو)، توماس موديستو خالان (الدومينيكان/ الولايات المتحدة

الامريكية)، ألكسندرا نيكود (سويسرا)، أتيلا سزابو بالوكز (هنغاريا)، حسانان عبدالله (بنغلاديش)، ماريسا روسو (الأرجنتين)، سو زهو (نيوزيلندا/الصين)، ليلي ميشليديس (قبرص)، عبدالغني فنان وخديجة السعدي (المغرب). وسهر على ترجمة القصائد وقراءتها، المترجم الأستاذ محمد المخاريق والشاعرة والمترجمة إيزة فرطميس.

تبحث الشاعرة الفيتنامية كيو بيش هو عن “أشكال الماء”، إذ “من السهولة أن تسبح في النهر/ من الصعب أن تبحر في المحيط / من/ القسوة  أن تتجمد/ عال جدا أن تطير في الغيمة/ عميقا جدا أن تظل في اليابسة…/الماء…/ الحكمة/  عش حياتك كالماء..”. أما الشاعرة الأزدريبدجانية نيغار أريف، والتي شاركت مع 100 شاعر في مسيرة “الحب”، تتساءل “أمي، ماذا أستطيع أن أقول؟/ لا تقلقي،/ كل شيء سيكون على ما يرام./ الأمل هناك،/ ينسدل الى تخوم المدينة…/ هنا،/ على الجبين،/ يد الحلم تفحص الحرارة…/ أمي،/ ربما نصادف علاجا أفضل/ و كما تقولين دائما:/ العشق هو أفضل بلسم..”

غزة اليوم هي مقبرة الأشقاء

     الشاعر خوليو بافانيتي، من الأوروغواي وهو مقيم في إسبانيا، يرى نفسه “كاتبا خجولا يسير بين أبياته” وهو “الظل القديم الذي يجمع كل ظلاله القديمة”، أما الشاعر الدومينيكي توماس موديستو كالان فيرسم الصورة المنجرحة اليوم، حيث يصرخ “مذنبون أننا ولدنا في غزة”: “غزة اليوم هي مقبرة الأشقاء/ من بقايا الحضارة الغربية / فقط موتٌ وشيك أو صحراء تحررنا/ للاعتقاد أنَّه لا يزال بإمكاننا/ تحرير أنفسنا من الهاوية”. الشاعر البلغاري بيتر تشوهوف أهدى بطاقة حب، قصيرة وهي تعتمد التكثيف، حين قال: “أجملُ قصائدي/ لم أكتبْها./ فضّلت عليها / النظرَ إليك..”. تعددت باقي القراءات الشعرية للشعراء، وظل أفق القصائد هو صوت الشاعر وهو يتقصى إنسانية الإنسان.

هي مقاطع من ديوان كبير، تم تقديم قراءات منه في أماسي ملتقى المعتمد الدولي للشعر، في دورته الثانية، والذي  تنتظم فعاليات ضمن سعي حثيث من دار الشعر بمراكش الانفتاح على جغرافيات شعرية كونية، ورموز للحركة الشعرية العالمية. هذه الدورة التي انفتحت على تجارب شعرية من جغرافيات كونية، سعيا للانفتاح على منجزها الشعري، وربطا لجسور الحوار والتواشج بين متون نصية إبداعية من مختلف الجنسيات. وهي لحظة استضافة شعرية وحوارية تسعى لمد جسور التواصل بين الشعراء، كما أنها استضافة رمزية لتجارب شعرية تنتمي لجغرافيات متعددة، لكنها جامعها هو القصيدة والأفق الإنساني المشترك.

ملتقى المعتمد الدولي للشعر الى جانب برامج الدار “شاعر ومترجمه” و”شعراء بيننا”، نوافذ دار الشعر بمراكش على شعريات كونية في سفر بين نصوص شعرية وفي تناغم خلاق بين متون الشعر بجميع الألسن. كما تشكل هذه الفقرة لحظة أساسية في برمجة الدار، ضمن انفتاحها على المنجز الشعري المغربي والعربي والكوني.

 

الأدب-المغربي_الرباط_Raoudnews_mostafa.jpg الأدب المغربي

الأدب المغربي المسار والمآل نقاش محور لقاء بالرباط

 

جمال المحافظ

نظمت جمعية خريجات وخريجي مدارس محمد الخامس الأربعاء 24 أبريل 2024 بالرباط لقاء حول كتاب ” في مدار الأدب المغربي” للأستاذ الجامعي محمد احميدة، وذلك بمشاركة الأستاذ شعيب العسيرى الباحث في الأدب والثقافة المغربية، وبحضور نخبة من الفعاليات الفكرية والأدبية والأكاديمية والجمعوية.

ديناميات جمعية

يندرج هذا اللقاء الذي تولى تسييره الأستاذ أسامة الكتاني نائب رئيسة جمعية خريجات وخريجي مدارس محمد الخامس، بقاعة عثمان جوريو بثانوية مدارس محمد الخامس التأهيلية، ضمن برامج ” قراءات” الذي تهدف من ورائه الجمعية، تثمين عطاء خريجات وخريجي هذه المؤسسة التعليمية الوطنية ومساهماتهم العلمية والقانونية والأدبية والحقوقية والفنية، ومن خلالها تثمين عطاء المدرسة الوطنية المغربية العمومية، وذلك عبر تقديم قراءات في هذه الإنتاجات والمساهمات من طرف نخبة من أعضاء الجمعية ومن أصدقائها.

حبر الأدب المغربي

وفي تقديمه وقراءته لكتاب الأستاذ احميدة أحد خريجي مدارس محمد الخامس الذي يتضمن مقدمة، وأربعة أقسام، وحوارا مع المؤلف، اعتبر شعيب لعسيري أستاذ اللغة العربية وآدابها بالبعثة الفرنسية بالمغرب، إن كتابات المؤلف – انطلاقا من مرجعه النقدي وتوجهاته الأكاديمية- هي كتابات بالحبر المغربي، وهو ما تشهد عليه محاور هذا المؤلف، وقبلها عتبته الأولى الدالة، وهي عنوانه.

 وأوضح أن عنوان مؤلف: ” في مدار الأدب المغربي ” المكتوب بخط مغربي، يمنح القارئ الانطباع، بأن العنوان تحول الى نص موازي للكتاب الذي يشعر القارئ منذ الوهلة الأولى، بأنه منتوج مغربي خالص.

وبعدما استعرض محاور الكتاب، اعتبر لعسرى، أن المؤلف تمكن من الانتباه الى أهمية صناعة الدواوين، قبل أن يتم الاهتداء إلى الفهارس، وأن كتابه يشكل احتفاء بالأدب المغربي وبرموزه وأعلامه، خاصة الرعيل الأول من الشعراء والأدباء والباحثين، مع التعريف بتجاربهم، فضلا عن تحديد بعض ملامح الأدب المغربي، خلال العصور السابقة ومرحلتي الحماية والاستقلال.

أدب سياسي

كما أشار إلى أن الكتاب أبرز الجهود التي بذلها عدد من الجامعيين لتعزيز مكانة الأدب المغربي، وضمان اشعاعه، وجعله موضوعا للبحث والدراسة والمواكبة الجادة.

كما أشار المتدخل الى أن الكاتب اهتم بالأدب السياسي في القرن التاسع عشر من خلال نموذج الشاعر عبد السلام بن محمد الزموري، علاوة على انشغاله بموضوع المدينة في الأدب المغربي، وكذلك حضور المكان في الشعر المغربي، والشعر ودلالته، والمواويل الشعرية في مجالس النادي الجراري.

وبعد ذلك أوضح الأستاذ محمد احميدة في تدخله، أن الغاية من اصدار كتابه ” في مدار الأدب المغربي”، يتمثل بالخصوص في مواصلة الإعراب عن اعتزازه وحبه العميق للأدب المغربي، وترجمة انشغاله بهذا الأدب خاصة خلال الفترة الحديثة والمعاصرة، متسائلا عن الأسباب الكامنة وراء الضعف الحاصل في الاهتمام بالأدب المغربي رغم ما يختزنه من غنى وثراء. وعزا ذلك الى أن الباحث أو الطالب، حينما يرغب في التعرف على تاريخ الأدب المغربي، لا يعثر الا على

مصادر قليلة، على خلاف أدب المشارقة، الذي يتوفر على مراجع ومصادر كثيرة، بمستويات متفاوتة.

بياضات أدب

وبعدما لاحظ بأن هناك “بياضات كثيرة ” في الأدب المغربي، قال الأستاذ احميدة في هذا الصدد: “من يستطع وإلى حدود الآن أن يتحدث عن الأدب العربي في عصر الأدارسة، أو ماذا نعرف عنه كذلك في المرحلة الوطاسية. غير أنه أكد أن نتيجة المجهودات المبذولة بدأت تظهر نتائجها من خلال اهتمام الطلبة والباحثين والقراء بالأدب العربي، خاصة بعدما فتحت الجامعة المغربية، شعبا للدراسات المغربية.

وأثار صاحب الكتاب الانتباه الى أن شعر الصحراء – كما يقول الراحل عباس الجراري-  كان وما زال، أداة وحدة ووسيلة تواصل، أي لم يكن في يوم من الأيام شعرا منعزلا أو منغلقا يتحرك في بيئته فقط، ولكنه،  كان دائما يمد يده إلى أطراف الوطن ليندمج  وينصهر داخل بوتقته إتباث الوحدة والتواصل، فضلا عن  توجيه الطلبة الى مجال الاهتمام بالبحث في أدب الصحراء، داعيا في هذا الصدد  إلى عدم إغفال الجانب الفكري الذي له أهميته – كما هو شأن السياسي- في الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة.

وفي معرض توقفه عند المحور المخصص في مؤلفه، لقراءة الكتب التي أصدرها بعض الأدباء المغاربة، انتقد احميدة بشدة الضعف الحاصل في مجال الدراسات والأبحاث في تاريخ الأدب المغربي ورموزه، على الرغم من المجهودات التي بذلها بعض الباحثين في مقدمتهم عميد الأدب المغربي الراحل عباس الجراري، الذي كان له الفضل في إدخال هذا الأدب، ومعه الملحون والزجل، ديوان المغاربة إلى الجامعة. بيد أنه عبر عن استغرابه لقلة الاهتمام بعدد من الرموز الأدبية المغربية رغم أهمية انتاجاتهم الإبداعية، من من بينهم الشاعر مولاي علي الصقلي صاحب كلمات النشيد الوطني.

إزالة الغشاوة

وفي اطار تفاعلها بهذا اللقاء، سجلت نجاة المريني الأستاذة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة

محمد الخامس بالرباط، أن الأستاذ احميدة معروفا عنه انشغاله ب”النبش في الأدب المغربي الذي مع الأسف يعرف اغفالا كثيرا وفاضحا ” مشددة على ضرورة  ” إزالة الغشاوة عن هذا الأدب والعمل على توفير الظروف الكفيلة حتى يصل إلى الأجيال الجديدة من الشباب”.

وبعدما قالت المرينى صاحبة عدد من المؤلفات منها ” الكتابة والحياة” و ” الكتابة و المرأة.. المغرب نموذجا” إننا نعيش حاليا نوعا من الغربة، من بين مظاهرها العزوف عن اللغة العربية” داعية الى”  العودة الى الطريق لاتباث هويتنا والاعتزاز بمكوناتها أكثر من أي وقت مضى”، وقالت ” إن لنا ثروة أدبية وأغراض شعرية منذ عهد المرابطين، هو ما يدفعنا إلى العمل على تبديد هذه الغيوم، وأن تفتح العيون حتى يكون لنا حضورا في المشهد الأدبي”.

تجدر الإشارة إلى أن هذا اللقاء يندرج ضمن البرنامج العام الذي سطره المكتب الجديد لجمعية خريجات وخريجي مدارس محمد الخامس في أعقاب جمعها العام المنعقد في 20 دجنبر 2023، ويتضمن عددا من الأنشطة خاصة ما يتعلق بحفظ الذاكرة والتواصل وفي الميدان التربوي والثقافي والفني والاجتماعي و التضامني.

المحافظ_كوكاس_الإعلام_Raoudnews_mostafa-1.jpg الإعلام في زمن

الإعلام في زمن اللايقين ببني ملال

mohafez_kougas_Raoudnews_mostafa_raoud.jpg الإعلام في زمن
mohafez_kougas_Raoudnews_mostafa_raoud.jpg الإعلام في زمن

لقاء بكلية الآداب بنى ملال يقارب تحديات الصحافة على ضوء كتاب” الاعلام في زمن اللايقين” 

جمال المحافظ

نظم مسار التميز في الصحافة والإعلام بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة السلطان مولاي سليمان ببنى ملال بشراكة مع مكاتب بن خلدون الجمعة 19 أبريل 2024 بإحدى قاعات الكلية، لقاء مفتوحا حول مؤلف” الاعلام في زمن اللايقين ” للكاتب والصحافي د. جمال المحافظ، وذلك بمشاركة الإعلامي والكاتب عبد العزيز كوكاس.

فخلال الجلسة الافتتاحية، أشاد عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية الأستاذ محمد بالأشهب في كلمة بالمناسبة، بمبادرة تنظيم هذه اللقاء، تحت إشراف  الأستاذ ادريس جبري، منسق ماستر التميز بالصحافة والاعلام، حول موضوع الاعلام في زمن اللايقين، واختيار صاحب كتاب بنفس العنوان، الكاتب والإعلامي المتميز جمال المحافظ الذي راكم تجربة طويلة في مجال الصحافة والبحث الأكاديمي.

وبعدما ذكر بأن مسار التميز في الصحافة والإعلام الذي كان مبادرة خالصة منذ سنة 2012، لشعبة اللغة العربية وآدابها، وتوج كذلك بإحداث الكلية لخمس مسارات تميز في تخصصات أخرى، أوضح الأستاذ بالأشهب، أن كل ذلك يندرج ضمن المخطط الوطني لتسريع تحول منظومة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار الذي يكتسى بعدا استراتيجيا وطابعا علميا صرفا يستمد جوهره من التوجيهات الاستراتيجية للنموذج التنموي الجديد. ودعا إلى العمل على إعادة الاعتبار للعلاقة القائمة ما بين الثقافة والصحافة، وتجسير العلاقة ما بين التكوين في المجالين الأدبي والإعلامي.

اللقاء المفتوح اسهام في إدماج الجامعة في محيطها

أما الأستاذ ادريس جبري، فأشار بالخصوص  إلى أن هذا اللقاء المفتوح يعد حلقة من بين حلقات أخرى موجهة لفائدة طلبة مسار التميز في الصحافة والإعلام، ويشكل اسهاما في ادماج الجامعة في محيطها، وفي اطار البرنامج التكويني الذي من بين أهدافه تحقيق المزيد من الانفتاح على الفعاليات الإعلامية والأكاديمية المتميزة والاحتكاك بها وانتهاجاتها الفكرية، والاستفادة من تجاربها المهنية، متوقفا عند مسار الكاتب جمال المحافظ، مدير الاعلام بوكالة المغرب العربي للأنباء سابقا، والأستاذ الجامعي الزائر، وصاحب عدد من المؤلفات في مجال الصحافة والاعلام.

mohafez_kougas_Raoudnews_mostafa_raoud.jpg الإعلام في زمن
mohafez_kougas_Raoudnews_mostafa_raoud.jpg الإلام في زمن

وأشار جبري إلى  أن هذا اللقاء المفتوح، الذي نشطته شهرزاد عيوش الطالبة بماستر التميز بالصحافة والاعلام، يأتي في أعقاب الدرس الافتتاحي للموسم الجامعي 2023- 2024 المنظم بعنوان” الصحافة في ظل التحولات الرقمية، من الصحافي المهني الى الصحافي “المواطن” من تقديم الكاتبة والإعلامية فاطمة الافريقي، وكذلك بعد احياء الذكرى الرابعة لرحيل عميد الصحافة الجهوية محمد الحجام، بمشاركة عدد من الفعاليات الإعلامية والنقابية.

الإعلام يجابه إشكال مركب و متعدد الأوجه

 وفي قراءته للكتاب لاحظ زكرياء بن حسي الطالب بماستر التميز بالصحافة والاعلام، أن ” الاعلام في زمن اللايقين” يظهر أن الإشْكَالَ الذي يُجَـابِـهُ الإعلامَ إِشكالٌ مُرَكَّبٌ ومتعدِّدُ الأوجهِ؛ منه ما يتعلق بالثورة الرقمية أساسا، ومنه ما يتعلق بالفعالية السياسية، ومنه ما يرتبط بالمؤسسات، ومنها كذلك ما يتعلق بأحوال الإعلام المغربي والمغاربي موضحا أن المؤلف حاول مُقاربةَ مُختلِفِ هذه الإشكالات من خلال التذكيرِ بمفهومِ الصِّحافةِ وأهميَّـتِها بـوصفْها الجسرَ الرَّابطَ بينَ الخَبَرِ والمـتَلقي بِـتَحَـرِّي الصدقَ، مع الإشارة إلى أدوارِ الصحافي، وما تحتاجهُ ممارستُـهُ من شروطٍ كالحريةٍ والاستقلاليةِ والديموقراطية، في مقابلِ الشروطِ التي من الواجبِ تَـوَافـُرُها في شخصِ الصَّحفي؛ من ذلك الأهْلِيَّةُ والاستحقاقُ وحُبُّ المهنةِ والذُّودُ عنها. كما أشار بن حسي وهو أيضا صحفي متمرن، الى أن الكاتبُ، في ظل هذا الاستقراء لأحوال الصحافة، عَمَدَ إلى عرض شريطِ بعضٍ من أعلامِ الإعلامِ وما كان لهم من دورٍ في أرساءِ قواعدِ الممارسةِ الصحافيةِ وتنظيمِها والدفاعِ عنْها، كما سلط، في سياق النَّبْشِ في الماضي، الضوءَ على الإهمال الذي طال إصلاح المقاولة الصحفية.

 

وشدد على  الكاتب، الذي لم يكتف بالتوقف عند لى كل هذه الإشكالات، قدم بعض المقترحات منها ادراج التربية الإعلامية في مختلف المراحل الدراسية، والارتقاء بمستوى التكوين الصحافي للنهوض بالمهام الـمَنُوطَةِ بالصحفيين، وتوسيع هوامش حرية التعبير، وضمان استقلالية هيئات التحرير، مع الالتزام بقواعد وأخلاقيات المهنة، وتأهيل المقاولةِ الصحافيةِ، وحفظ كرامة الصحافي.

الاشتغال بصمت و بدون ضجيج

وفي قراءته لكتاب ” الاعلام في زمن اللايقين ” الذي يتضمن ستة فصول هي “الإعلام والرقمنة” و” الثقافة والاعلام” و”الاعلام والسياسة” و”الصحافة والذاكرة” و”الاعلام والمؤسسات” و”الاعلام والجوار”، سلط عبد العزيز كوكاس الضوء على مسار المؤلف الذي قال عنه، بأنه يتميز بكونه صحفيا متمرسا وفي نفس الوقت ناشطا جمعويا وباحثا مواظبا، بحس نقدي واضح، واختياره الاشتغال بصمت وبدون ضجيج، مع عدم استسلامه في نفس الوقت للقناعات الباردة، مؤكدا على أنه ركز في كتابه على معالجة الاستراتيجيات الكبرى المفتوحة، لأننا نعيش في زمن اللايقين.

وفي هذا الصدد يرى كوكاس أن هناك مكونان أساسيان في هذا المؤلف، هما الإعلام واللايقين، وبينهما الزمن الذي هو مفهوم فلسفي متسائلا كيف نكتب عن اللايقين باليقين ؟ معربا عن اعتقاده الراسخ، بأن الحداثة تستعير أسئلة زمانها، أي أن تكون حديثا، يعنى أن تصنت لزمانك، وأن ما يقوى كتاب جمال المحافظ الصدق واخلاصه للصداقة.

وكان الكاتب والباحث جمال المحافظ، قد أكد في بداية اللقاء على ” أن اليقين الوحيد الذي يمكن أن يتمتع به المرء، هو أننا نعيش في عالم من اللايقين”، وذلك استنادا الى كتاب ” بين الزمن والأبدية ” لصاحبيه إيزابيل تنغرس، وإيليا بريغوجين الفائز بجائزة نوبل في الكمياء عام 1977. ولاحظ أن جائحة كوفيد 19، ساهمت في تسليط مزيد من الضوء على مبدأ اللايقين، خاصة في الحقول المعرفية والسياسية والثقافية، والإعلامية، وتزامن ذلك مع ما يلاحظ من انتشار التفاهة والشعبوية والتضليل مؤكدا على أنه من الصعوبة الحديث عن التحولات التي طالت وسائط الاعلام بدون ربط ذلك بالتقدم التكنولوجي الذي جعل الحدود بين هذه الوسائط تنهار.

وفى مناقشتهم للكتاب، طرح المتدخلون، عددا من الأسئلة، والمقاربات ركزت بالخصوص فضلا عن مضامين الكتاب، على اكراهات الصحافة وتحديات الثورة الرقمية، والاشكاليات التي تثيرها وسائط التواصل الاجتماعي، والمسؤولية الاجتماعية للصحافة، وأخلاقية المهنة في الزمن الرقمي ومستقبل الصحافة في ظل الذكاء الاصطناعي، وقواعد الكتابة الصحفية، وعلاقة الاعلام بالثقافة، والوضعية الراهنة للمشهد الصحفي والإعلامي .

لقاء_كلية_بني_ملال_Raoudnews_mostafa.jpg الإلام في زمن
لقاء_كلية_بني_ملال_Raoudnews_mostafa.jpg الإعلام في زمن
espana_marruecos_cooperan_Raoudnews_mostafa_raoud.jpg المغرب و إسبانيا يتعاونان

المغرب وإسبانيا يتعاونان في مجال الولوج إلى الأبحاث والدراسات الجامعية

 المغرب وإسبانيا يتعاونان في مجال الولوج إلى الأبحاث والدراسات الجامعية: نعمل على تبني نماذج للشهادات الجامعية المشتركة

مدريد 17 أبريل 2024

افتتحت وزيرة العلوم والابتكار والجامعات بإسبانيا، ديانا مورانت، اليوم الأربعاء 17 أبريل، بمعية وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار المغربي، السيد عبد اللطيف ميراوي،  المنتدى الإسباني المغربي الأول لرؤساء ورئيسات الجامعات، حيث أكدت في بداية حديثها على التزام إسبانيا والمغرب المشترك ب “التعاون وتشجيع تبادل الطلاب وأعضاء هيئة التدريس والبحث العلمي”.

   وقال مورانت “إننا نعمل معًا من أجل جعل البحث العلمي والابتكار  محركين لأنظمتنا الإنتاجية، ولمُجتمَعيْن يعوّلان على مواهبهما العلمية والتكنولوجية في سعيهما المشترك لمواجهة تحديات الحاضر والمستقبل”.

   ففي  2022، وهي آخر سنة نتوفر بخصوصها على معطيات إحصائية متكاملة، استقطبت الجامعات الإسبانية 7500 طالب من جنسية مغربية، منهم 4400 أقاموا بإسبانيا بينما استقر ال 3100 الآخرون بالمغرب، وكانوا كلهم من طلاب الدراسات العليا (الماجيستير والدكتوراه) أو من الملتحقين بإسبانيا ضمن برامج التبادل الطلابي. وأشارت مورانت إلى أن “هذا الرقم يعكس النمو الكبير الذي عرفته السنوات السبع الأخيرة بنسبة بلغت 67 %”.

   من جانبه، أبرز الوزير ميراوي أهمية تعزيز التعاون الثنائي، مشددا على ضرورة دعم الباحثين والأساتذة وحركية الطلاب، فضلا عن مبادرات البحث والابتكار بين المملكتين المغربية والإسبانية.

وكان الوزيران قد عقدا قبل ذلك اجتماع عمل في مقر وزارة العلوم والابتكار والجامعات بمدريد، من أجل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين في مجال العلوم والابتكار والجامعات.

  في ذلك اللقاء، أكد كلّ من مورانت وميراوي على الأهمية الاستراتيجية للعلاقات بين البلدين، والمنصوص عليها في معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون، وعلى تعزيز الحوار السياسي المنبثق عن الإعلان المشترك الصادر في 7 أبريل 2002.

   واتفق الجانبان على تعزيز العلاقات الثنائية في مجالات العلوم والابتكار والجامعات، وهو ما جاء في إطار الدورة الثانية عشرة للاجتماع رفيع المستوى  بين المغرب وإسبانيا، المنعقد بالرباط في 2 فبراير 2023.

   وسلط الوزيران الضوء على التقدم الذي أحرزته المفاوضات الخاصة بتوقيع اتفاقية التعاون بشأن الولوج إلى الدراسات والأبحاث الجامعية، والتي ستشكّل علامة فارقة في العلاقات الثنائية في مجال التعليم العالي.

   وبالمثل، أبدى الوزيران ارتياحهما للاتفاقيات العديدة التي سيوقعانها يومه الأربعاء 17 أبريل، في إطار المنتدى الإسباني المغربي الأول لرؤساء ورئيسات الجامعات، بين بعض الجامعات الإسبانية الرئيسية المشاركة في مؤتمر رؤساء الجامعات الإسبانية  (CRUE)ونظيرتها المغربية، وهو ما يؤكد رغبة البلدين في تعزيز العلاقات الأكاديمية والعلمية في مجال التعليم العالي، وتعزيز مشاريع التدريس والبحث التي تتبناها  جامعات البلدين.

 عن موقع أروبا بريس www.europapress.es

ترجمة إدريس ولد الحاج

كلية اللغات والفنون والعلوم الإنسانية – سطات

escitor_Ouldlhaj_Raoudnews_mostafa_raoud.jpg
escitor_Ouldlhaj_Raoudnews_mostafa_raoud.jpg
احمد_حبشي_رفقة_أخته_Raoudnews_mostafa.jpeg صفاء ووفاء

صفاء ووفاء

 

بقلم: أحمد حبشي

زرت اليوم شقيقتي، وانتبهت أننا لم نلتق منذ ما يزيد عن ثلاثة سنوات. كعادتها كان اللقاء بالنسبة لها أهم من عتاب طافح بالمرارة عن طول مدة الغياب، ولا ما قد أقدمه من اعذار حول أسبابه. كان العناق حارا أحسست معه أن حنينا دافقا يملأ روحها ويرفع من وثيرة أنفاسها. الاستقبال كان باذخا يلفه انشراح، لم نقو على اخفاء مشاعر طافحة بكل معاني المودة والاشتياق. جلست وأنا أضمها إلى صدري بينما هي تضع رأسها على كتفي، يصلني وقع أنفاسها ووثيرة نبضها. أخذت إحدى ربيباتها من حين لآخر تسأل نجلاتي، اللواتي كنا في رفقتي، عن تفاصيل آخر لقاء وما تواعدن عليه، تبادلن الأعذار بكل ما يحيل على تعدد الانشغالات وضيق الوقت، واكراهات التنقل في مدينة ضاقت بما حملت وتعددت مشاكلها. تعالت الضحكات صاخبة ولفنا حبور دافق.

في قرارة نفسي كنت أجاري تأنيبا يحاصرني، كيف تمتد مسافة الغياب دون أن يرف لي جفن، أو تهزني الحسرة على ما اقترفته في حق أنبل انسانة عشت وأياها تحت سقف واحد منذ أن عرفت نور الحياة. فضائلها الجمة لا تحصى بكل المعايير التي أعدت للقياس. لا شيء كان يلهيها عن خدمة الآخرين. كانت آخر من يستفيد مما تكسبه من عرق جبينها، تكتفي بما تحدده الوالدة وتختاره لها، كنا نحن الذكور الأربعة أولى منها في كل مستحقات الحياة. أربعة إخوة ننام جميعا وتسهر إلى جانب والدتي حتى يستكملا كل ما نحن في حاجة إليه. تقضي يومها في ورشة النسج التي كانت الوالدة تعتمد مردود إنتاجها، في تسديد بعض المصاريف عند اقتناء ما كان الوالد يعتبره لا ضرورة له أو يتقشف فيه زيادة على اللزوم، فكل ما يزيد عن تجاوز شظف العيش لا يستحق منه أي اهتمام، وهو ما كانت الوالدة ترعاه خصوصا بعد ما تجاوزنا مرحلة الطفولة، وصرنا لا نقبل بما دون ما كان في حوزة أقراننا. ازدادت متاعبها بعد أن توفي زوج أختي البكر، وأصبحت تعيش معنا وأبناؤها الأربعة،

ثم أبناء خالي بعد أن صار جارا لنا. حمل تضاعف وزره وتعددت مشاكله، وأصبح الأمر أكثر تعقيدا وتدبيره يحتاج إلى الكثير من الحيطة والحذر، حتى لا تتدهور العلاقات ولا يصبح البيت مسرحا لتجادب أقطاب. فقليلا ما كان هذا الجمع الغفير يحضر لاقتسام وجبة، خصوصا وجبة الغذاء التي تعتبر دون غيرها أساسية. كان المنظر مثيرا والوالدة تحيط بها دزينة من الأواني مختلفة الأشكال والاحجام، تصب فيها نصيب كل واحد من الغائبين عن مائدة الغذاء، والأخت إلى جانبها تذكرها بأسمائهم حتى لا تغفل اسما أو تستصغر نصيبه من وجبة يكثر فيها المرق ويغيب عنها أحيانا ما كانت الوالدة تحرص على أن توزعه علينا في نهاية الوجبة بقسطاس، حيث نلتزم جميعا بأن لا نمد أيدينا إلى قطعة اللحم المدفونة وسط ركام من الخضر السابح في بحر من المرق. كان الحرص شديدا على تناول أكبر كمية من الخبز. حيث كانت الوالدة تحرص على توفير ما يكفي ويزيد عن الحاجة من الخبز الذي يساهم بقدر كبير في تحقيق الاشباع. كنا أحيانا ننقسم إلى مجموعتين إذا كان الوالد بالبيت، حيث كانت مجموعة الذكور تحظى بالقسط الأكبر من الوجبة في حضرة الوالد. عودة الوالد إلى البيت تحول أحاديثنا همسا وإشارات حذرة. نظهر الاستقامة والانضباط، خصوصا حين يطيب له أن يحدثنا حول أصول الدين ومعاناة الأنبياء وكيف واجهوا كل المعيقات في نشر الدعوة وتقريب الناس من طاعة الله. وكثيرا ما كان يغالب الدموع وهو يقارن بين المشاق والمحن التي تكبدها الرسل في سعيهم لتجنيب الخلق من غضب الخالق. يعزز كلامه بآيات من القرآن الكريم، لم نكن نقوى على تصحيح تلاوته ونطق كلماتها ولا شرحها بغير معناها. بعد أن أصبحنا على دراية ببعض أصول الدين وفق ما كنا نتلقوه في المدرسة. كنت أحس أنه يخصني والأخت بحدب لافت، يختارني لمرافقته للسوق ولأداء الصلاة بأحد المساجد كان معجبا بالفقيه الذي يأم الصلاة، وبما يقدمه من دروس في الوعظ والإرشاد ما بين العشاءين، يجالسه جم غفير من المصلين. لم نكن نغادر المسجد بعد صلاة العشاء دون أن يأخذني الوالد لنقبل يدي الفقيه. استعدت كل هذه اللحظات في الكثير من تفاصيلها، وأنا استحضر ما قدمته الأخت لنا من خدمات، وما كان يميزها من خصال في صيانة الود وربط الأواصر. لا أحد منا يشبهها في عطائها الدافق وامتثالها المتواصل، كانت سندا لوالدتي وعونا لكل أفراد الأسرة. لم تلج المدرسة ولا ولجت كتابا، فالأعراف كانت تحث على إعداد الفتيات ليكن ربات بيوت. لم يكتب لها أن تستقر في بيت الزوجية إلا بعد أن تجاوز سنها الأربعين. فشل زواجها الأول الذي كان من تدبير الوالدة وإحدى الجارات، التي اختارتها عروسا لأخيها الأرمل بعدما ماتت زوجته وتركت وراءها طفلا في حاجة للعناية. لم تدم فرحتها أكثر من شهور معدودة قبل أن تعود إلى البيت خاسئة متدمرة. تم طلاقها كليلة زفافها في صمت كما كان يرغب العريس. لا أحد علم بتفاصيل الطلاق ودواعيه. استقبلت بصمت وفي صمت انتهت علاقة ولم تستوف عامها الأول. استعادت نشاطها بالبيت قبل ان تلتحق بأحد المعامل لنسج الزرابي التقليدية بأجر أسبوعي محدود.

احمد_حبشي_رفقة_أخته_Raoudnews_mostafa.jpeg صفاء ووفاء

احمد_حبشي_رفقة_أخته_Raoudnews_mostafa.jpeg صفاء ووفاء

توفي الوالد بعد أن عشنا فترة عصيبة تخللتها سوء تفاهم كبير بينه وبين الوالدة، ساند أغلبنا الوالدة، فكان رد فعله أن قاطع جميع أفراد العائلة إلا أنا واختي الفاضلة، من حيث تظاهرنا بالحياد في صراع كان أصعب علينا من أن نتموقع فيه، أصبح الوالد شديد التوتر، يشك في كل ما يقدم له كطعام، انعزل في إحدى الغرف لا يغادرها إلا لتجديد الوضوء. اكتسبت تقته بعد ان جادلته بكل جرأة واحترام، دافعت عن الوالدة وحفظت له على كرامته، فكان إن صرت أكثر قربا منه في الاستجابة لطلباته وفي تحضير متطلباته، يناديني باستمرار حتى وهو يعلم أني اشتغل بعيدا عن البيت ولا أعود إلا في نهاية الأسبوع. كانت الأخت تنوب عني، تمده بكل ما يحتاجه تقابله للحظات في غرفته بعد عودتها من معمل النسيج حيث تقضي يومها كاملا. ظل الوالد على هذا الحال إلى أن وفته المنية مساء ذات يوم أحد، بعد أن ظل يردد اسمي وقد أصابه وهن كما أخبرت لحظة وصولي، حيث أسرعت لمقابلته والوقوف على ما هو في حاجة إليه. حين دخلت

الغرفة واقتربت منه، كان ممتدا في فراشه، ظهره مسنودا على الحائط، ناديته مرات قبل أن أرفع يده لأتأكد أنه فارق الحياة. كتمت صرختي وهرعت لإخبار الوالدة بوفاته. أكدت علينا الوالدة أن نلزم الصمت حتى تغير ملابسه وتتخلص من كل ما تعلق بها من قاذورات، وتغير رائحة المكان. انتظرنا أكثر من ساعة ثم أعلنا يصخب وفاة الوالد وتعالى نواحنا. التف حولنا الجيران في حركية طافحة بالمؤازرة وكل مشاعر المودة، حددوا فيما بينهم ما يجب القيام به، وزعوا الأدوار بما يخفف عنا أعباء مراسيم الدفن وكل واجبات استقبال المعزين. كان لكل ذلك وقع بليغ في توطيد أواصرنا، استعدنا صفاء أيامنا وما تركه الوالد من عميق الآثار. ظلت الأخت بعد وفاة الوالد المعيل الأول لأفراد اسرة يزيد عدد أفرادها عن العشرة، إذ لم يلبث أن توقف راتبي على إثر اختطافي والزج بي في السجن بتهمة المس بأمن الدول الداخلي والانتماء لمنظمة سياسية محظورة تسعى لقلب النظام السياسي وتغيير معالم الدولة القائمة، وأصبحت الأخت المعيل الوحيد، إلا ما كان يجود به خالي، الذي ظل سندا للوالدة في كل الأحوال.

لقاء_مراكش_الاعلام_Raoudnews_mostafa_raoud.jpeg

مشاركون في لقاء بمراكش يدعون الى إعداد استراتيجية وطنية في الإعلام

في زمن اللايقين مشاركون في لقاء بمراكش يدعون الى إعداد استراتيجية وطنية في الإعلام

بقلم: جمال المحافظ

دعا المشاركون في اللقاء الثقافي الذي نظمه مركز بوصلة للدراسات والأبحاث وجمعية مبادرات مواطنة، مساء الأربعاء 27 مارس الجاري بفضاء دار سعيدة المنبهي بمراكش إلى إعداد استراتيجية وطنية واضحة المعالم في ميدان الصحافة والإعلام، بمشاركة كافة الفاعلين المعنيين، تستجيب لتطلعات المهنيين والرأي العام، تأخذ بعين الاعتبار تحديات الثورة الرقمية.

وشدد المشاركون في هذا اللقاء المنظم تحت شعار ” الاعلام في عصر اللايقين” وتولى تنشيطها الكاتب الصحفي جمال المحافظ رئيس المركز المغاربي للدراسات والأبحاث في الاعلام والاتصال، و مصطفى اللويزي الأستاذ الجامعي المتخصص في الاعلام والتواصل على ضرورة تجسير العلاقة ما بين قطاعات البحث العلمي والمجتمع المدني والاعلام، لما لهذه المجالات من قواسم مشتركة في المساهمة في تحقيق التنمية المستدامة.

تفاقمت تحديات الاعلام في زمن الذكاء الاصطناعي 

كما سلطوا الضوء على وضعية وآفاق الصحافة والاعلام، حيث تساءلوا وقاربوا في هذا السياق من زوايا متقاطعة عدد من الإشكالات التي يعاني منها هذا القطاع الحيوي، معتبرين أننا نعيش حاليا مرحلة انتقالية، في ظل المتغيرات التي يشهدها مجال الصحافة والإعلام الذي تفاقمت تحدياته في زمن الذكاء الاصطناعي والثورة الرقمية التي خلخلت ممارسة الصحافة.

وفي هذا الصدد أكد المشاركون في هذا اللقاء الذي تميز بحضور نخبة من الإعلامين والأساتذة والباحثين والفاعلين بالمجتمع المدني، بأن ترجمة ذلك يتطلب إعادة النظر في أدوار الصحافة والاعلام في المرحلة الراهنة، مع الحرص على الارتقاء بمستوى التكوين والتأهيل الصحفي والإعلامي، وبلورة التخصص المهني والاستفادة من الأجناس الصحفية، أظهرت فعاليتها وجدواها، في ظل اكراهات الثورة الرقمية، كالاستقصاء والتحقيقات والتحليل، عوض الاقتصار على تقديم الأخبار ونشر المعلومات التي أضحت متاحة للجميع .

ضرورة إدماج مادة التربية الإعلامية

ومن أجل الارتقاء بمستوى الصحافة والاعلام ومواجهة التحديات التكنولوجية وانعكاساتها، شدد المشاركون، على ضرورة إدماج مادة التربية الإعلامية، في البرامج والمقررات الدراسية منذ المرحلة الابتدائية إلى الجامعة، وتشجيع البحث العلمي، واندماج المؤسسات التعليمية في مجتمع الإعلام والمعرفة، مع تأهيل منظومة التربية والتكوين، والاستثمار الأفضل للتكنولوجيا الحديثة، لمواجهة ” تغول سلطة المال والتقنية”، وذلك بهدف بناء المعرفة والهوية والسلوكيات خاصة لدى الأجيال الصاعدة من أطفال وشباب .

وفي معرض تعريفه لمفهوم اللايقين أو الارتياب والشك، أوضح جمال المحافظ الباحث في العلاقات الدولية، أنه على عكس اليقين الذي يفيد التأكيد التام والكامل على صحة شيء ما، أو الاقتناع بفكرة معيّنة، كحقائق مؤكدة لا مجرّد فرضيات، فإن اللايقين، يعنى بالخصوص أن الإنسان ليس قادرا على معرفة كل شيء بدقة متناهية، حسب ما أورده سنة 1927 مؤسس مبدأ اللايقين، العالم الألماني فرنز هايزنبرغ مضيفا، أن هذا المفهوم، انتقل بعد تشكله في دائرة الفيزياء، إلى الحياة السياسية والإعلامية والاجتماعية، وأصبح بذلك من بين أكثر المفاهيم تداولا، وتحول إلى نموذج تفسيري وبراديغم إرشادي جديد.

مشاركون_لقاء_اعلام_مراكش_Raoudnews_mostafa.jpeg
مشاركون_لقاء_اعلام_مراكش_Raoudnews_mostafa.jpeg

وعلى مستوى الصحافة والإعلام أشار المتدخل إلى أنه إذا كانت التكنولوجيا الحديثة، أتاحت الفرصة للجميع للحصول على المعلومات والتبادل والتفاعل، فإنها أدت بالمقابل الى تغيير جذري في البيئة الإعلامية، إذ في الوقت الذي كان الصحفيون، يعتمدون بالأساس على قصاصات وكالات الأنباء، فإن الثورة الرقمية، جعلتهم أمام سيل جارف من المعلومات والأخبار حيث تم الانتقال من نظام للندرة الى آخر للوفرة، كان من بين انعكاساته السلبية، ترويج الأخبار الزائفة.

ولاحظ أن شركات التكنولوجيا الكبرى، تعكس بشكل جلي العلاقات القائمة ما بين عوالم سلطة المال والاعلام والاتصال، من خلال توظيفها للتقنية لبناء آلية للهيمنة قصد التأثير على استهلاك الصحافة. كما أن التقنيات الرقمية، وإن كانت انعكاس للاستعمال الذي يقوم به الفرد، فهي لم تضع حدا لعدم المساواة في الاستخدام، ولم تخفف من سوء التفاهم بين البشر، ولم تقلص كذلك من حدة النزاعات والحروب، لكنها وفرت بالمقابل ولوجا غير محدود للمعلومات وللمعرفة، ورفعت كذلك من القدرة على التبادل والمشاركة، وجعلت الفضاء الرمزي، لا يخضع للرقابة ، كما هو شأن القراءة .

وعلى المستوى الوطني، فإنه بقدر ما يلاحظ إقبالا متصاعدا على التكنولوجيا، ( نحو 36 مليون عدد المرتبطين بشبكة الانترنيت الى حدود يوليوز 2022 حسب احصائيات الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات) بقدر ما يسجل توجسا مبالغ فيه أحيانا، بدعاوى مختلفة في مقدمتها الاستخدام السيء لهذه التكنولوجيات الحديثة.

الإعلام في زمن اللايقين

ولدى تطرقه لمحتويات كتابه ” الإعلام في زمن اللايقين ” الصادر مؤخرا والذى جرى تقديمه وتوقيعه في هذا اللقاء الثقافي أشار جمال المحافظ، الى أنه حاول في مؤلفه الجديد، ترك الحرية للقارئ والباحث والمهتم، في اختيار نوعية النصوص التي يتضمنها حسب ميولاته وانشغالاته، معتمدا في ذلك في معالجتها هذه المواضيع على أسلوب الكتابة الصحفية مبرزا أن المؤلف مساهمة تركز على طرح الأسئلة، أكثر مما تتوسل أجوبة جاهزة ونهائية، حول قضايا الصحافة والإعلام والاتصال، وليس معالجة مفاهيم مبدأ اللايقين أو النقاش الدائر حوله في ظل عالم معولم ومتغير.

لكن كتاب ” الاعلام في زمن اللايقين” الذي يتضمن ستة فصول هي ” الإعلام والسياسة” و”الإعلام والمؤسسات” و” الإعلام والثقافة” و” الصحافة والذاكرة” و”الإعلام والثورة الرقمية” و”الإعلام والجوار”

يراهن – كما في مؤلفاته السابقة – على إثارة انتباه مختلف الفاعلين إلى تحديات ورهانات الاعلام والاتصال، رغم أن مختلف نُصوصه، ” تحمل قلق السؤال حول مستقبل الإعلام في قلب تحولات جارفة تفعل ذلك وهي تُفكر في أثر السياسي على الصحافة والاعلام، و تقف على اختبار الأخلاقيات المهنية في زمن الرقمنة، و تستعرض تحديات الصحافة الثقافية أمام اكتساح الضحالة المُعممة، و تُدقق النظر في حُضور الطفل و المرأة و الثقافة والرياضة والمجتمع المدني في إعلام اليوم، و تبحث في مألات بنيات و مؤسسات الأداء الإعلامي، لكن رغم كل ذلك تحضر – ضمن جدلية خلاقة – كل الأسئلة الحارقة لمستقبل الصحافة في زمن اللايقين الإعلامي”، كما أكد الجامعي الأستاذ الباحث حسن طارق في مقدمة هذا الكتاب .

الانتقال من الكيف إلى النوع

ومن جهته توقف الأستاذ مصطفى اللويزي عند ما وصفه ب” الأسئلة الكبرى” التي يطرحها الاعلام في زمن اللايقين، وقال إنه عبارة عن كلمة مركبة، وأن هذا المفهوم – في نظره – لم يبدأ مع سنة 1927، وإنما ترجع جدوره إلى الفلاسفة اليونانيين معربا عن اعتقاده بأنه في ظل وفرة المعلومات، نتيجة الثورة الرقمية في العصر الراهن، أصبح مطلوبا من وسائل الاعلام والاتصال الانتقال من ” الكيف إلى النوع ” مبرزا الدور الحيوي والحاسم الذي تضطلع به المعلومات في عملية اتخاذ القرار، وذلك في عالم تتشابك فيه المصالح الاستراتيجية، وهو ما يقتضى أن تتحول إلى مشروع استراتيجي حقيقي، نظرا للرهانات السياسية، والأيديولوجية، والدينية، والاقتصادية، والثقافية التي تتدخل في صناعة المعلومات، على حد قوله.

وبالنسبة لمؤلفه الأخير ” الاعلام والترجمة.. ” أكد اللويزي الصحافي والأستاذ بجامعة سيدي محمد بنعبد الله بفاس بالخصوص أنه يندرج في خضم الانشغال الفكري للمؤلف بمسألة الترجمة ووسائل الإعلام، كمجال مزدوج للدراسة والتحليل للعوالم الممكنة وللظواهر المتكررة المؤثرة على اللغات، من جهة وعلى القوالب الإعلامية والسياسية من جهة أخرى، وقال في هذا الصدد بأن كلا من الصحافي والمترجم، هما ناقلان، أي أشخاص يخاطرون بأنفسهم بين الحدود اللغوية والثقافية وبين التواصل وعدم التواصل أو التواصل الفج وغير المفيد.

واعتبر أن ممارسة الترجمة في عالم الإعلام، عملية شاقة للغاية، لأنها عمل يومي متعب، لكنه ضروري ولا غنى عنه. وبما أن هذه عملية الترجمة في الإعلام تتطلب الكثير من السرعة ورد الفعل، نظرا لأن عالم الأخبار والمعلومات يفرض سرعة الاستجابة والاستيعاب، مما قد يضعنا أمام متاهات الخيارات التقريبية، مع ما يرافق ذلك من عدم الدقة والعمومية.

WhatsApp-Image-2024-03-10-at-06.41.14.jpeg الحضارة و الثقافة و الفنون العربية

صدور كتاب: الحضارة والثقافة والفنون العربية بالبرازيل

WhatsApp-Image-2024-03-10-at-06.41.47.jpeg الحضارة و الثقافة و الفنون العربية
WhatsApp-Image-2024-03-10-at-06.41.47.jpeg الحضارة و الثقافة و الفنون العربية

أشارك معكم صدور كتابي الثاني باللغة البرتغالية

كتاب الوطن العربي- الحضارة والثقافة والفنون العربية

مرحبًا بكم في رحلة مثيرة عبر لوحة غنية من ثقافة العرب

إحدى أقدم وأكثر الثقافات تأثيرًا في العالم. في هذا العمل، نغوص في تنوع وعمق هذه الثقافة، التي لعبت دورًا حاسمًا في تاريخ الإنسان.

عبر نظرة دقيقة على العصور المختلفة التي شكلت العالم العربي، من العصور القديمة إلى الحاضر، يقدم الكتاب استكشافًا شاملاً وموضوعيًا. ستتمتع برحلة موجّهة من خلال سرد يتناول التاريخ والثقافة والفن، مكشفًا عن كيفية إسهام كل فترة في ثراء وتعقيد الأمة العربية.

وبالإضافة إلى ذلك، يتميز العمل بنهجه في التعامل مع التجليات الفنية الخاصة بكل بلد عربي، مما يقدم رؤية حميمة للأشكال المتنوعة للتعبير الثقافي الذي ظهر على مر القرون. توفير ترجمات للأعمال الأدبية والفنية يسهم في فهم أعمق للقيم والمعتقدات والتجارب التي تقدم تاريخ الأمة العربية.

لقد قدمت هذه القراءة فرصة لا تُفوَّت لكل من يهتم بتوسيع آفاقهم وفهم إسهام الثقافة العربية الهائل في التراث العالمي. استعد للانبهار بقصة غنية، وفن حيوي، وتقليد ثقافي يظل يفتن ويؤثر في العالم حتى اليوم، مسلطًا الضوء على الفلكلور لكل بلد في الشرق الأوسط والخليج العربي ومصر، فضلاً عن الإمبراطوريات والشعوب القديمة التي ساهمت في الحضارة العربية.

الهدف من كتاب الوطن العربي:

العالم العربي بعيد جدًا عن الغرب، ولعقود طويلة كانت المعلومات تنتقل شفهياً حتى ظهور الإنترنت التي انتهت بأن تصبح أرضًا لا مالك لها، حيث كثرة المعلومات التي تؤدي إلى إفقاد الناس للمعرفة الصحيحة، على الرغم من التقدم التكنولوجي، سواء بوسائل الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، فإن المعلومات لا تزال محدودة ومشوهة بشأن الثقافة العربية.

ثقافة عريقة تستحق أن تكون معروفة بثروتها التاريخية والثقافية والفنية.

في هذا الكتاب سوف نتعرف على البدو، البربر، الأمازيغ، شعب الغجر، أولاد نايل وغيرهم، سكان الصحاري والجبال، لكل شعب عاداته و تقاليده وتعبيراته الفنية تشبه العرب، فمن هم ومن أين يأتون؟ هل هم من الشرق الأوسط أم من الخليج العربي؟ بالإضافة إلى التنوع الفولكلوري الذي يوجد في كل بلد، وهو هويته.

عندما نشير إلى العقيدة، فإنها غالبًا ما تتعرض للإدانة من قبل وسائل الإعلام، أفضل طريقة لتجنب هذه الإدانة هي المعرفة والفهم.

في الوسط الفني، من الضروري معرفة الجانب الثقافي والفني الذي يميز كل بلد، سواء في الشرق الأوسط، الخليج العربي، أو شمال أفريقيا، يتم استكشاف هذا في العمل.

فهم الفروقات بين التراث الشعبي و الفنون الشعبية

مصر، في هذا الكتاب، لها قراءة مميزة، يُمكن التعرف أكثر على كل منطقة، والبيانات التاريخية والتعبيرات الفنية الشعبية في كل منطقة، دائمًا ما يكون من الصعب فهم الفروقات بين التراث الشعبي والفنون الشعبية، حتى بين المحترفين، هذا موضوع أكاديمي ولا يُسهل العثور على الإجابة في أي مكان، لنستكشف هذا الفارق في هذا الكتاب.

الموسيقى العربية لديها أيضًا مكانتها الخاصة في الكتاب، حيث يمكننا تعميم المصطلح وفهم أساس بناء الموسيقى، تُوضَّح “مقامات” الموسيقى العربية في الكتاب.

بالإضافة إلى العديد من المحتويات الأخرى المتعلقة بتاريخ وحضارة شعب، وثقافة غنية جدًا أفتخر بكوني جزءًا منها، كوني عربيًا ومصريًا.

الكتاب مهم بشكل خاص لأولئك الذين يدرسون ويمارسون الفولكلور العربي، ولجميع القراء فإن أفضل طريقة لمعرفة الشعب هي من خلال تاريخه، وثقافته، وفنه، وليس من خلال ما يسمعون أو يشاهدونه في وسائل الإعلام.

د. خالد إمام

رئيس اتحاد الكتاب والمثقفين العرب بالبرازيل

سفير الثقافة العربية من المنظمة الدولية للفنون الشعبية – ايوف – يونسكو

WhatsApp-Image-2024-03-10-at-06.41.47.jpeg

WhatsApp-Image-2024-03-10-at-06.41.47.jpeg
الشعيبية_العدراوي_Raoudnews_mostafa.jpeg الشعيبية العدراوي أيقونة المسرح

الشعيبية العدراوي ايقونة المسرح المغرب

بقلم: أحمد حبشي

احتفاء باليوم العالمي للمسرح نظمت مندوبية وزارة الثقافة والشباب والاتصال بالدارالبيضاء، ليلة 25 مارس بالمركب الثقافي محمد زفزاف، حفلا بادها لتخليد هذه المناسبة العالمية، مساهمة في ترسيخ وتثبيت تقليد سنوي، يسعى من خلاله العاملون بالميدان والمرتبطون بعوالمه، إلى لفت الانتباه إلى محورية المسرح في جوهر العمل الثقافي، وما يميزه كمجال ابداعي تتكامل فيه عناصر ثقافية متعددة، تحقق التفاعل المباشر بين الابداع والمتلقي في أجواء نوعية للتعبير عن مكامن الحكي واستيعاب ابعاده.

تحقيق البعد الإنساني النبيل

في مستهل الحفل تليت الرسالة العالمية، التي تجسد الاستحضار الكوني للحظة السمو بهذا المجال الإبداعي، وتحقيق البعد الإنساني النبيل الرامي إلى تحقيق تقارب الشعوب وتكاملها، في اعتماد صيغة التفاعل مع الواقع بآليات ومقومات مشتركة تبرز مكانة الانسان وقيمة تفاعله مع محيطه الخاص والعام. كانت المناسبة شرط لاستحضار الذاكرة المشتركة، واستعادة عوالم الابداع وما تركته بصمات العاملين في رحابه، احتفاء بما ميز عطاءاتهم ومساهماتهم في تكريس ثقافة الابداع الخلاق، الرامي الى ربط الكائن البشري بمحيطه وفتح آفاق تطور وعيه، لإدراك مدى تأثير فعله وتفاعله مع محيطه.

هكذا كانت اللحظة مناسبة تم خلالها الوقوف وقفة اجلال وتقدير، تكريما لبعض رموز حقبة تاريخية من زمن الابداع المغربي، التي تميزت بالعطاء السخي والجهد الصادق في تطوير مجال المسرح وتكريس ريادته جهويا وعلى الصعيد العربي. ولعل أبرز ما ميز اللقاء، الذي حضروه ثلة من المبدعين والمهتمين بالمجال الفني والمنخرطين في توسيع مجال اشعاعه، لحظة تكريم الفنان المقتدرة والممثلة المتميزة، السيدة الشعيبية العدراوي، رائدة من رواد فن التمثيل والتي شكلت بحضورها الفني منذ الخمسينيات من القرن الماضي،

بهجة و سرور ملايين المتتبعين لأعمالها

مرجعا وقدوة تحدى على مستوى الأداء الباهر، من مشاركتها في العديد من الأعمال الفنية، سواء على مشتوى الأداء على الركح أو عبر الشاشة، في السينما أو التلفزيون. لقد كان الاحتضان لهذه الهامة الفنية في مستوى ما تستحقه من تقدير واعتبار لما اسدته للمسرح والسينما، وما حققته من بهجة وسرور لملايين المتبعين لأعمالها، وما اشتهر به من أدوار، كحضورها اللافت في مسلسل “لالة غنو” فشكرا لمندوبية وزارة الثقافة على هذا الاستحضار الذي استعدنا معه جميل الذكريات مع هذه

السيدة التي ستظل إلى جانب رفيقاتها، رمزا من رموز المقاومة لكل أشكال التهميش والاقصاء التي ظلت تحاصر الكثير من المبدعات.

اختتم الحفل بعرض مسرحي متميز في بنائه وشكل عرضه، تألق من خلاله المخرج المقتدر ناسور، الذي وظف كما اعتاد في جل أعماله، كل مهارته الفنية في تحقيق التفاعل المطلوب لكل عمل فني والجمهور الحاضر.

ومرة أخرى أكد الممثلون والممثلات علو كعبهم وتألقهم في تحقيق الفرجة، وارسال الإشارات القوية على أن مفعول التكوين الأكاديمي أضاف الكثير في الرفع من مستوى الجودة وتحقيق الامتاع. فتحية تقدير لكل من ساهم وأشرف على تنظيم الاحتفال والحشد الكبير من الفنانين والمبدعين الذين ساهموا بحضورهم الوازن لتخليد اليوم العالمي للمسرح.

أحمد حبشي

مارس 2024

الحما_الرباط_Raoudnews_mostafa_raoud.webp نصوص قصصية

نصوص قصصية: بين الفرح و نقرات الحمام

نصوص قصصية

المصطفى روض

أينك أيها الفرح!

طال غياب الفرح. لم نعد نرى له أثر في وجوه الأطفال. الذين تزوجوا مؤخراهم الآخرون اشتكوا من غيابه. و صيادو السمك هم الآخرون انزعجوا من اختفائه بالمرة، أما أصحاب الحلقة، فلا أحد عاد لمزاولة أنشطته لأن الناس ما عادت تذهب إليهم بحثا عن الفرجة و الضحك. البلد كلها مسكونة بالحزن و الوجوه تهجمت و اكتسحها اليأس من كل ما يجري. الأرقام المعلنة يوميا حول تزايد الحالات من المصابين و المتوفين محليا و عالميا، تسرق الفرح من الجميع. لا هم للغني و للفقير سوى التشبث بأمل مقوس الظهر، و أعرج، يمشي بعكاز مكسور، و هو يبدو شبيها بالوهم.

نعم الأمل بات صنو الوهم، يمشيان جنبا إلى جنب حتى التبست على الناس حقيقة ما يجري في الواقع و أصبح التعب يتربص بهم أينما حلوا و ارتحلوا داخل المربعات المرسومة لهم، و كبرت أحزانهم و تذكروا أن شيئا ينقصهم، شيئا كان يعطيهم مبررا لوجودهم و يعطي لحياتهم معناها و مبناها، إنه الفرح، باتوا يرونه و يحلمون به لكنهم عاجزون عن ممارسته لأنه اختفى،

الفرح غاب بعد ان هاجت الجائحة

لقد حصل لهم مثل جياع مسجونين لا يرون الأكل بكثرة إلا في أحلام اليقظة. هكذا بات الناس يرون الفرح المختفي بأشكال مختلفة رغم أنه لا مرئي و لا يمكن لمسه أو القبض عليه، و حتى أعشاشه الموجودة في روح الإنسان، لا نعرف شكلها و لا حركة الفرح عندما يهم بالطيران انطلاقا منها. كل ما نعرفه هو أن الفرح غاب منذ هاجت الجائعة على البلاد لتقض مضاجع العباد.

آه من زمن الفرح، ليته يعود، لكي نستعيد حيوية ابتسامتنا، و نرى من حولنا الجميلات يبتسمن لتغدو الصباحات مزهوة بالأمل الحقيقي الذي يحفز على ركوب أمواج الحياة. آه، و أنا أتذكر، عندما كان يأتي الفرح إلينا، فهو غالبا ما يأتي مقرونا بحدث عظيم و كبير، كأن تنجح ثورة شعب على ديكتاتور أو استقلاله من استعمار قوة أجنبية أو زواج عريس بعروسة تسكنه الفرح الدائم، أو نجاح في عمل دراسي أو انتصار فريقنا الوطني في مباراة لكرة القدم.. الخ.

لكننا اليوم و الفرح يغادرنا، كيف لنا باستعادته و البحث عن مكان وجوده. آه، كان الفرح عندما يمر قريبا من المنازل، يدخلها لكي يسرق من وجوه الجيران أحزانها و يخرج متخفيا لكي يرميها في حاويات القمامة. 

الحمامات تواصل النقر

مرة أخرى وجدت نفسي اتدحرج كالكرة عبر شارع محمد الخامس بالرباط. لم أجد ما اجفف به ذلك الإحساس النوسطالجي القاتل الذي يذكرني بزمن صحيفة انوال عندما كنت صبيحة كل يوم اتوجه من محطة القطار إلى مقر الجريدة و راسي محملة ببرنامج عملي اليومي، سوى تركيز نظري في الحمامات و هي تقتات من الفتات المرمية في الأرض. رجل تطوع ليرمي لها كمية هاءلة من الخبز كان يجهد نفسه لتقطيعه حتى يكون على مقاس منقارها الصغير. الحمامات تتكاثر من حول قطع الخبز و تقتات من دون أن يبدو عليها فرح ما.

دائما كان يحيرني منظر الحمام لأني لم يسبق لي أن رأيته يبتسم و لا متجهم، و هو لا يرقص و لا اعرف ان كان يهمه سماع الموسيقى. الحمام شكله وهدوءه كافيان لكي يجذب أنظار الناس. ظللت اراقبه من خلف زجاج نافذة مقهاي المفضلة حتى بعد أن غادر الرجل الذي قام بواجب اطعامه. ظل يمشي وهو تنجذب للفتات، نقرة هنا و نقرة هناك لعله يشبع. الحمام لا يتعب من النقر على الأرض، و انا لا اتعب من رؤيته بتركيز، و عندما اقترب وقت المغادرة، تركت المقهى، الحمام يواصل النقر و انا اواصل المشي…

عندما كنت صغيرا

عندما كنت صغيرا كنت أعرف انني ساكبر، ولكنني لم اكن اعرف ان شعري سيتساقط مع مر الايام، و ان عشقي للموسيقى سيتحول الى جنون لا يفارقني، و ان اناملي ستغذو ناعمة و متخصصة في لمس الانامل الاكثر نعومة، و ان جراحات الحب الدفينة ستندمل بفضل الظهور المفاجئ لنورسات آدمية يغذين الروح بجمالهن.

عندما كنت صغيرا كنت اعشق صيد العصافير، و عندما استوعبت درس الحرية اندثر عشقي لهذا النوع من الصيد، فأصبحت بدله اعشق السينما و بنات الصيف و اغاني عبد الحليم و شامي كابور و حلقة خليفة و بوغطاط و بقشيش و حكاية حديدان الحرامي و سيف دو اليزان و مدينة الكنوز و لعبة دينيفري و بايت سيس و اكل البصارة و شرب جعة عايشة الطويلة.

عندما كنت صغيرا كنت عاشقا لكرة القدم و لاعبا ماهرا، و كنت لا اتخلف عن مشاهدة مباريات كرة القدم سواء في الملعب الشرفي او سطاد فيليب، و كنت اعرف كل اللاعبين المغاربة الذين اثروا فنون كرة القدم، و كنت كرويا فنانا على مستوى المراوغة او تسجيل الاهداف بواسطة ضربات المقص، و لعبت مع الكثير من فرق الاحياء و اشهر فريق كنت العب فيه: سيتي سوسيكا،

Mr-Abdi_alarbi-zaouli_Raoudnews_mostafa.jpg

Mr-Abdi_alarbi-zaouli_Raoudnews_mostafa.jpg

و في مباريات فرق الاحياء التي كان ينظمها مدرب فريق الاتحاد البيضاوي العربي الزاولي في فصل الصيف، يختارني هذا الاخير انا و الصديق جنان من حي سوسيكا للالتحاق بفريق الاتحاد البيضاوي، و في تعليق جميل لهذا المدرب الرائع و الكبير نقله لي المرحوم محمد بوجريدة، و هو مدربنا و لاعبنا الاكبر، قال له:

 “إن فريقي لم يهتم بتعليفي حتى تكون لي بنية جسدية قوية”، لأنه لاحظ مستواي العالي في اللعب رغم نحافة جسمي، و مع ذلك اختارني ربما لعلمه اليقين ان الكثير من اللاعبين الذين يمارسون كرة القدم بمهارات عالية ذوو أجسام نحيفة مثل الخالدي اللاعب السابق في الكوكب المراكشي، مدافع النهضة السطاتية سليماني، حسن كالا و شقيقه عبد الله كالا لاعبي الكاك القنيطري…

مع حصولي على جواز السفر غادرت…

يومها فرحت بالعرض، و تصورت انني ما ان ابدا حتى تفتح لي ابواب النجومية في فن كرة القدم، فكرت في العرض جيدا لكن مع حصولي على جواز السفر صيف سنة 1973، غادرت الى اسبانيا، فيما زميلي جنان غادر الى فرنسا حيث اشتغل في السكك الحديدية. هجرتان الى اوروبا حالتا دون الاستجابة لعرضين من ذلك المدرب الجميل الذي صنع بحرفته لاعبين كبار مثل الكوشي و عبدالله و بوشعيب و بؤساء و نومير و الغزواني …

.و كان سيصنع مني و زميلي نجمين. و لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، ما مشات الصحة كلها، و لكن بقا الفانت و السمية: مسيلسيتا

mostafa_raoud_Raoudnews_periodista.jpeg

mostafa_raoud_Raoudnews_periodista.jpeg