dariouch_espana_Raoudnews_mostafa.jpg الإعلام في ظل تحول

الإعلام في ظل تحول العلاقات الاسبانية المغربية

بقلم: جمال المحافظ

 “إسبانيا الآن…تحولات المشهد السياسي الاسباني 2008 ـ 2023 “للإعلامي والباحث نبيل دريوش، كان من بين الإصدارات الجديدة التي جرى تقديمها بالدورة 29 للمعرض الدولي للنشر والكتاب الذي احتضنته الرباط، ما بين 09 و19 ماي 2024، والذي شكل مناسبة لتسليط الضوء على متغيرات  الشأن الداخلي للجارة الشمالية للمغرب، وانعكاساتها على الحياة السياسية في القرن 21الواحد والعشرين.

 وإذا كانت معظم التحليلات والآراء تذهب إلى أن هناك تقصيرا مزمن من جانب الفعاليات السياسية والأكاديمية ومؤسسات المجتمع المدني بالمغرب في الاهتمام واستيعاب التموجات المتسارعة وللمخاض الذي يعرفه الشأن الاسباني على المستويات السياسية والحزبية والإعلامية والمجتمعية، المؤثرة في صناعة القرار، فإن هذا العطب، مرده بالخصوص إلى ندرة الدراسات والمؤلفات المغربية عن إسبانيا، .

 لكن بالمقابل فإن المشاركين في هذا اللقاء الذي نظمه المركز المغاربي بالتعاون مع مجلس الجالية المغربية بالخارج، أثاروا الانتباه إلى وجود اهتمام واسع من قبل المفكرين والمثقفين والسياسيين والدبلوماسيين والأكاديميين الاسبان بالشأن المغربي في مختلف جوانبه، وهو ما يقتضى إيلاء مزيد من الاهتمام بمختلف جوانب الواقع الإسباني، وتكرس البحث بكل موضوعية وتجرد، في تحولاته، خاصة في ظل التحولات الإيجابية في العلاقات بين المملكتين الاسبانية والمغربية المرشحة الى مزيد من التطوير، بفضل مشاريع التعاون بينهما في عدد من الميادين، والتنظيم المشترك بينهما والبرتغال لمونديال كرة القدم سنة 2030.

الآن وغدا

عديدة هي الاقتراحات التي أسفر عنها النقاش حول كتاب ” ” إسبانيا الآن…” منها إعادة تفعيل المبادرات المدنية المشتركة، مع إعادة تقييم شامل لها، مع استحضار دور الصحافة ووسائل الاعلام، الحيوي خاصة في زمن الثورة الرقمية التي أضحت عنصرا أساسيا في تشكيل مزاج الرأي العام الاسباني، حول جارته الجنوبية، ومعها تغيير الصورة النمطية التي اعتاد الاسبان رسمها في مخيالهم عن المغاربة ( المورو )، وهو ما يتطلب  تظافر جهود الطرفين لتجسير العلاقات ما بين الفاعلين في وسائل الاعلام، والانطلاق من التحولات المجتمعية الراهنة، مع الاستجابة لاهتمامات وحاجيات الجمهور.

ويكون من المفيد استعادة دور الاعلام، بكلا البلدين، من خلال تجربة “التناوب التوافقي” بالمغرب ما بين 1998 و2002 والانتقال الديمقراطي في إسبانيا من 1975 الى  1978. إذ بغض النظر عن الاختلافات ما بين التجربتين ، على المستويات التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وحتى النفسية، فإن ما جمع بينهما، إلى حد ما، التشابه في طبيعة المرحلة التاريخية التي مرت بهما كلا التجربتين واشتراكهما في إرادة الفاعلين، أغلبية ومعارضة، في تحقيق انتقال ديمقراطي سلمي وسلس مبني على قاعدة التوافق بين مكونات الطبقة السياسية لطي صفحة الماضي الأليم والتوجه نحو المستقبل عبر الدمقرطة.

فوفق تدبير أعده الجنرال فرانكو الذي حكم اسبانيا، بقبضة من حديد لأزيد من 40 سنة، استلم الملك خوان كارلوس سنة 1975 قيادة الدولة، بعدما توافقت القوى السياسية، يمينها ويسارها، للمضي قدما بالانتقال الديمقراطي، مع ترك الخلافات والصراعات جانبا، والتوجّه نحو المستقبل الذي توج بالمصادقة على دستور جديد.

أما  في المغرب فإن ” التناوب” ، كان ” ثمرة تفاهم وتوافق سياسي” بين الراحل الحسن الثاني و مكونات ” الكتلة الديمقراطية”، من أبرز نتائجه، تشكيل الحكومة رقم 25 في تاريخ المغرب الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بقيادة  عبد الرحمان اليوسفي ( 1926- 2020 ).

ديمقراطية وإعلام

ويعود الانتقال الديمقراطي في إسبانيا إلى “ثلاثة لاعبين رئيسيين”، هم الملك خوان كارلوس الأول، الذي قرر التوجه نحو الديمقراطية مباشرة، وأضولفو صواريث، أول رئيس حكومة منتخب ديمقراطيا، والاشتراكي فليبي غونواليس الذي قضى في رئاسة الحكومة 13 سنة. وشكلت هذه التجربة حالة فريدة للتوافق بين حكومة ديمقراطية ناشئة، وبين وسائل إعلام متعددة التوجهات (فرانكوية، اشتراكية، جهوية…).

وبعد إجراء انتخابات 15 يونيو 1977، تعزز الانتقال الديمقراطي في اسبانيا، باتخاذ عدة قرارات جريئة، منها على الخصوص إعلان العفو العام، والاعتراف بكل الأحزاب بما فيها الحزب الشيوعي، وإعداد دستور جديد، وإلغاء الرقابة على الصحافة، وحذف وزارة الإعلام وإحداث محلها وزارة للثقافة.

وإذا كان الانتقال الديمقراطي يعد دعامة الاتصال السياسي الذي يتأسس من واقع التفاعل في ما بين وسائل الإعلام والسياسة والمواطنات والمواطنين مما يجعله ينطوي على قواعد وتوقعات معيارية تبدو جد معقدة، فإن وسائل الإعلام الإسبانية – على خلاف المغرب-، ساهمت بدور حاسم في احتضان الانتقال الديمقراطي، واجتهدت الصحافة في ترويج خطاب جديد في مجالي السياسة والثقافة، مسايرة بذلك تطور النقاش السياسي في القضايا العامة، في الوقت الذي كان الإعلام في مرحلة ديكتاتورية فرانكو ينزع الطابع السياسي عن اهتمامات الجمهور، مع التركيز على قضايا بعيدة عن انشغالات الرأي العام.

إعلام وتناوب

وإذا كان هذا واقع حال الإعلام في إسبانيا بعد مرحلة فرانكو، فإن “التناوب التوافقي” في المغرب، وإن حظي بترحيب وطني ودولي، فإن التأييد الذي لقيته هذه التجربة في بدايتها من وسائل الإعلام، سرعان ما تحوّل إلى انتقاد لأدائها على صفحات الجرائد، خاصة بعدما “فشلت” الحكومة في إحداث تغيير عميق في قطاع الصحافة والإعلام والعمومي، وفي ظل عجز الطبقة السياسية على فهم متطلبات هذا القطاع الاستراتيجي وخصوصياته المهنية.

فالمغرب وإن عرف، على المستوى السياسي والدستوري والحقوقي، دينامية متواصلة زمن التناوب، إلا أن العلاقة مع وسائل الإعلام ظلت فضاء للتوتر، على الرغم من أن التحول إلى الديمقراطية، في بلدان الانتقال، غالبا ما يفضى إلى نزاعات بين الحكومات والإعلام، فضلا على أن الخلاف حول عدد من المفاهيم، خاصة ما يتعلق منها بحماية القيم الاجتماعية والثقافية والأخلاقية والأمن القومي والنظام العام، تُتخذفي بعض الأحيان، كذرائع لتبرير التدخل السياسي في الصحافة والاعلام.

اعلام وذاكرة

وبالمقابل فإن الكتابة الصحفية، في مرحلة التناوب حول الذاكرة السياسية الوطنية، يلاحظ أنها  عرفت انتعاشا، بشكل ملحوظ، حيث تميز ما كانت تنشره الصحف بجرأة كبيرة في تناول قضايا، كانت تعد من المحرمات إلى حين، بسبب ما يعتبر “خطوطا حمراء” مع الإفراط في ممارسة الرقابة الذاتية لدى معالجة ملفات التاريخ السياسي الوطني.

وفي هذا الصدد تنافست الصحافة المكتوبة، على تقليب صفحات الماضي، وحظيت هذه الحفريات الإعلامية، باهتمام متزايد من لدن الطبقة السياسية ومعها فئات واسعة من الرأي العام، وهو ما مكّن من إحداث نقلة نوعية في التفكير والبحث.

كما سُجل انتعاش ملحوظ في الإقبال على الصحافة، وعرف الأداء المهني نتيجة ذلك تطورا، مع الاستناد في تحليل المادة الصحفية على مقاربات تسند على قواعد المنهج التوثيقي، وتعزز المشهد الصحفي والإعلامي أيضا بالتحاق جيل جديد من الشباب بـ”مهنة المتاعب”، من المتوفرين على تكوين عال.

تداعيات ويقينيات

وإذا كانت الصحافة قد تمكّنت من نفض الغبار عن ملفات الماضي، بطرح تساؤلات حول ظروف وتداعيات بعض الأحداث، فإنها أثارت في المقابل جدلا واسعا، حول وظائف الصحافة، ودور الصحافي ( مؤرخ اللحظة ) في تناول هذه الأحداث، التي عادة ما تكون من اختصاص المؤرخين، مع العلم أن تحرير المادة الصحفية، تختلف عن الكتابة التاريخية، لتعامل الصحافة الفوري مع الأحداث بمنهجية إعلامية وتحويلها إلى مادة صحفية، حتى تكون في مستوى إدراك فئات واسعة من القراء والمشاهدين والمستمعين.

هذه التحولات خلقت، على مستوى أداء الإعلام، واقعا جديدا، وتخلخلت بموجبها يقينيات سادت لردح من الزمن حول فصول من أحداث الماضي التي طرحت وفق مقاربات مستجدة، وأعيد قراءتها وتحليلها بدون قيود في مرآة الصحافة. وخلقت هذه الوقائع المنشورة جدلا واسعا بين مختلف الأطراف الحزبية والحكومية والإعلامية، ومعها طرحت إشكاليات متعددة من قبيل ما هي حدود التّماس بين الفاعل السياسي والصحافة، ودور الإعلام في زمن التناوب التوافقي.

 استقلالية الصحافة

وإذا كانت الصحافة الإسبانية، قد تمكنت، خلال مرحلة الانتقال الديمقراطي، من التحول إلى أدوات اتصال مستقلة عن الحكومة وذات خط تحريري يعكس توجهات القائمين عليها بفضل أجواء الحرية ما بعد فرانكو، وساعد الإعلام على ترسيخ الديمقراطية، والارتقاء بمستوى العمل الصحفي، فإنه على العكس من ذلك سادت أجواء من التوتر زمن التناوب ما بين الصحافة والدولة، وانصب الجدل حول العلاقة الملتبسة في مراحل الانتقال الديمقراطي بين الفاعل السياسي والفاعل الإعلامي.

فالتناوب وإن ” لم يكن تلك العصا السحرية التي تحقق المعجزات “، فإن وسائل الإعلام، جعلت قطاعات عريضة من المجتمع المغربي، تتوق إلى ” استعادة السنوات الضائعة “، لكن ابتداء من أواخر سنة 2000، وبعد ” الخروج عن المنهجية الديمقراطية ” في 2002 بتعيين وزير أول تكنوقراطي من خارج الأحزاب السياسية، ” وقع إحكام للقبضة من جديد على الصحافة، حيث تعرضت ثلاث جرائد للمنع من الصدور، ليس بحكم قضائي، وإنما بقرار حكومي.

الإعلام_المغرب_إسبانيا_Raoudnews_mostafa-1.jpg

الإعلام_المغرب_إسبانيا_Raoudnews_mostafa-1.jpg

Comments are closed.