habchi_ahmed_Raoudnews_mostafa_raoud.jpeg مسارات مشتركة

مسارات مشتركة

بقلم: أحمد حبشي

كلما صحوت من غفوتي واستعدت بعضا من صفاء روحي، تنساب دافقة كل اللحظات الزاهية من أيامي، رياحين بهجة في مساحات انشراح، ارنو إلى حيث تسامت أولى خطواتي، الأحضان التي رعتني واسعدتها اشراقة طلعتي، والدتي ثم والدي، والوارع التقي الكريم خالي، الحنفي كما كان الجميع يناديه. زياراته لبيتنا كانت تسعدني، حيث كان يخصني بحدب وعطف وارف، لا يقابلني إلا والبسمة تلف كل تفاصيل محياه، يعاكس كل حركاتي، لا يتركني ليقبل رأس والدتي، حتى يتعالى صوتي طالبا النجدة بأن يكف عن رفع منسوب رعشة جسدي، وما يثير بي من ضحك مصحوب بصراخ. هكذا ظل يخصني بمودة دافقة وحنو بهي. لم أكن وحدي المشمول بفضائل كرمه، كنا سبعة أخوة أنا خامسهم، أغدق علينا من كرمه ما خفف عن الأسرة من ضيق أحوالها. فتقديره لوالدتي كان لافتا، كل امكانياته كانت رهن اشارتها، لا يتردد لحظة في الاستجابة لما تراه أو تأمل تحقيقه، علاقة مودة صاخبة تضايقت منها نساء الخال وكان لها كبير الأثر على استقراره الأسري، فقد عرف خمس زيجات في حياته، لا واحدة من نسائه رضيت ان تعيش تحت رحمة سيدة أخرى، لا تغادر بيتها إلا رافقتها حيثما أرادت، تختار لها كل ما هي في حاجة إليه حتى وهي تعيش في بيت بعيد بأمتار عن بيتنا، بل انتهى ببعضهن العيش معنا في نفس المنزل، حيث أصبحنا أسرة واحدة الوالدة ربتها. لم يتغير الحال إلا بعد أن استعصى على خالي تطليق إحدى زوجاته وتزوج ثانية أثناء مرحلة التقاضي، فأصبحت في عهدته زوجتان بعد أن حكمت المحكمة بعودة الراغبة في الطلاق إلى بيت الزوجية، استسلمت لقرار القضاء بعد سنتين تقريبا من إصراها على أن لا تعود إلى ذات البيت الذي لم يعد يخصها لوحدها. طبيعة علاقتي بوالدتي وخالي جعلتني مواكبا للحظات النزاع وكل حالات الطلاق التي انتهت بها بعض علاقات خالي بزوجاته. في ثاني طلاق لم يكن سني يتجاوز السابعة، فشلت كل محاولات الصلح أمام إصرار الزوجة على عدم الرجوع إلى بيت الزوجية، ولم يتمكن الفقيه الذي تم اللجوء إليه ليعيد العلاقة إلى سابق عهدها وتحقيق رغبة الخال في ذلك، بكل ما اعتمده من تعاويد وتسخير الجان لإرغام الزوجة المصرة على قطع كل الأواصر، للعودة إلى بيت الزوجية. استقدمتني والدتي ذات صباح لبيت الخال بطلب من الفقيه، لأساهم في عملية

استحضار أعوانه من الجن، وتسخيرهم ليرغموا الزوجة على الرجوع إلى البيت طائعة منصاعة. جلست أمام الفقيه الذي أعد ورقة بيضاء ووضع أسفل ما كتب فيها نقطة كبيرة من الحبر الأسود ( الصمق). أنزل الورقة أمامي وطلب مني ان أنظر إليها طويلا وان لا أتكلم حتى وإن سألني. بعد مدة من التركيز طلب مني أن أبلغ، دون أن أرفع عيني عن الورقة ولا ان أرفع صوتي، للرجل الذي أراه وسط النقطة السوداء، بأن الفقيه يأمره بأن يذهب إلى بيت فطومة (وهو اسم الزوجة) ويحثها على أن تعود إلى بيتها. كنت فعلا أرى كل ما كان يقوله لي الفقيه، ووالدتي منبهرة بما يحدث أمامها، أستجيب لتعليمات الفقيه ورهبتي تتسع بفعل ما كنت أراه، والشخص الذي أخاطبه يتفاعل مع ما أنقله إليه من تعليمات الفقيه. لحظة رهيبة لم تفارقني زمنا ممتدا من حياتي، أستعيد تفاصيلها كلما صادفت حديثا حول الشعوذة وقوة تأثيرها حين يكون المرء في حاجة لمن يساعده على الخروج من ورطته. لم تنجح كل محاولات الفقيه في إعادة الرابطة الزوجية إلى سابق عهدها. بل سرعان ما أصبح الحديث في أوساط العائلة عن زواج طليقة الخال من أحد العازفين على آلة العود المعروفين بالمدينة. لم يلبث الخال أن تزوج للمرة الثالثة، بعد أن تمكنت والدتي من ترتيب زواجه الجديد بمساعدة إحدى معارفها في الجوار. عشنا لفترة في تناغم تام، ساد احترام وتواصل هادئ بين الوالدة وكنتها الجديدة، كل في بيتها تدبر شؤون أيامها، نلتقي في مناسبات متباعدة، خصوصا الأعياد الدينية، فقد كان من تقاليد الخال أن يكون عشاء اليوم الأول من عيد الأضحى في بيتنا، تتكفل الوالدة بطهي جزء من لحم خروفه، وبالضبط الكتف الأيمن حسب الأعراف، ويقدم كوجبة مشتركة بين الأسرتين. أمر اعتدناه على مر السنوات، وهو ما كان مختلفا بالنسبة لأعراف والدي الذي كان يصر على أن نكتفي في اليوم الأول للعيد بتناول أحشاء الخروف فقط بينما يقدم رأسه في وجبة فطور اليوم الموالي. في ليلة وضع الحمل الأول للزوجة الثالثة، رافقت والدتي وحضرت لحظة الانجاب في كل تفاصيلها، أتابع ما تقوم به المولدة وما تقدمه الوالدة في مساعدتها من خدمات بانتباه وسرعة مطلوبة، وفي لحظة أغمي علي وأنا أتابع ما يخرج من احشاء زوجة خالي بعد أن قل صراخها وشلت حركاتها. كان المولود ذكرا، رفع ازدياده من منسوب سعادة خالي وعشنا في رحاب فرحته حبورا فائضا، إذ كان اول مولولد يعيش في كنفه، بعد ان حرم من أن يعيش بكره بين أحضانه.

أيام توالت وأواصر المودة زادت، كان الخال يتهادى في حبور بادخ، خصوصا بعد أن ازدان فراشه بمولود ثاني، طفلة اختار أن تحمل اسم والدته فاطمة، تيمنا بها وتكريما لذكرى الجدة وما تحملت من شقاء في حفظ سيرته وتقوية حضوره في ما اختاره كمهنة، وما شب عليه كفلاح احترف تربية المواشي والعيش من وارداتها. كانت الجدة، منذ وعيت بمحيطي وهي مقعدة لا تقوى على الحركة، فاقدة القدرة على أن تعتمد على نفسها في قضاء حاجاتها. كل ما عرفته في أحاديث متفرقة عن سيرتها، أنها تكفلت بأبنائها الثلاثة بعد أن توفي زوجها الذي غادر قريته مكرها وقد طردته القبيلة متهمة أياه بقتل أحد جيرانه، نزحوا من إقليم زاكورة ليستقروا بضواحي مدينة برشيد حيث وفته المنية. بعد أن مرت مدة على وفاته نزحت الجدة رفقة أبنائها الثلاثة للعيش بمدينة الدارالبيضاء، سكنت اسطبلا كان به مأوى للعابرين واحترفت بيع الحليب ومشتقاته كبائعة متجولة ببعض الأحياء. لم يفارق الخال والدته ولا تهاون في إسعافها، عندما فقدت كل طاقاتها وأصبحت لا تقوى على تحريك أعضائها وضبط أوقات نومها. أنينها المتواصل كان يزيد من توثر كل من يحيط بها، فهي لا تقوى على المكوث ممددة على ظهرها ولا تستطيع الجلوس حتى وهي مسنودة من أطرافها لتناول وجبتها اليومية أو قضاء باقي حاجاتها. كثيرا ما كانوا يتجاهلون طلباتها او استجدائها للمساعدة لتغيير وضعها. من حين لآخر كان يزورها فقيه يضعها بين يديه ويقرأ آيات بصوت خافض كأنه يناجيها، فتستعيد هدوءها وتخلد لنوم عميق. لم يكن الخال يبخل عليها بكل ما هي في حاجة إليه. الكل كان يتحدث عن الجدة بكثير من الشفقة، مستعرضين حيويتها وما قدمته من خدمات لأسرتها وكل أقربائها. ماتت الجدة بعد أن تمكن الفقيه الذي كان يزورها من حين لأخر في مساعدتها على الوقوف وتحريك جزئيا أطرافها. كان المصاب جللا جعل مراسيم العزاء تمتد لأكثر من أسبوع، فالاستقبالات اليومية للمعزين جعلت بيتنا يعج بالحركة، بعد ان صارت زيارة العزاء إقامة لأيام لبعض المقربين من الجدة من داخل المدينة وخارجها. الأمر الذي جعل إقامة زوجة الخال تطول بيننا، لا تعود إلى بيتها، الذي لم يكن بعيدا عن بيتنا، إلا في نهاية المساء بعد ان يعود الخال من عمله وتنجز ما انيط بها من أشغال. كانت تلك فرصة لتوطيد العلاقة بين الوالدة وزوجة الخال. حيث أصبحنا لمدة كأننا نعيش في بيت واحد. الأمر الذي جعل الوالدة والخال يقران على أن يقيم الجميع في نفس المنزل، وقد أتاح هذه الفرصة أحد جيراننا حين أقر التخلي عن سكناه لفائدة أسرة الخال، وذلك بعد ان تمكن من بناء منزله الخاص، وفضل مغادرة السكن الجماعي في منزل مشترك في ملكية السلطات المحلية للمدينة.

لم يتمكن الخال من ارغام زوجته الثالثة على البقاء في منزل واحد مع الوالدة واسرتها، فقد أصبحنا أسرة مشكلة من خمسة عشر فردا، يحتاج إطعامهم والتكفل بكل حاجياتهم مجهودا مضاعفا. غادرت زوجة خالي البيت رفقة أبنائها واصرت على أن تعيش بعيدا عن صخب القبيلة وما تلزمها به من انضباط. حاول الخال تنيها عن العصيان وذلك بأن يحرمها من أبنائها، استطاع ان يستعيد الابن قبل ان تحسم المحكمة في أحقية الحضانة للزوجة، حرص على أن لا يفارقه صغيره، يأخذه معه حيث ما حل وارتحل. حتى عندما ألحقه بمدرسة للتعليم الأولي تعهد مديرها أن لا يسلم الطفل لأحد غيره، ثم كلف بعد ذلك أحد اعوانه في العمل بأن يقوم بالمهمة في غيابه. ظلت والدة الطفل تتربص به وتتحين الفرص حتى تمكنت من محاصرة العون ذات مساء واستعادت ابنها بالقوة ولجأت لأحد المنازل القريبة من المدرسة. جن جنون الخال وحاصر البيت لساعات دون أن يسترجع طفله. سيتضح بعدها ان البيت تقطنه سيدة كانت من جيران الخال وكان في صراع مستمر معها لأتفه الأسباب. وكانت تلك مناسبتها لمهاجمته في دفاعها عن بقاء الطفل في حضن امه. فشل الخال في استرجاع ابنه رغم كل محاولاته السلمية والعنيفة. كنت أتابع أطوار الصراع وانا أرتجف من الخوف، فقد كان خصومه مآزرين من طرف الجيران الذين أرغموه على الاستسلام. لم أقو على أن أحكي للوالدة ما شاهدته وعن حال الخال وهو يصارع زمرة من الأشخاص مسنودا فقط من عونه الذي كان يعتبر نفسه مسؤولا عن كل ما جرى. كنت ارتجف والوالدة تلاحقني بأسئلة متواترة، لا قدرة لي على تركيب جملة لها معنى، الأمر الذي كان يزيد من توثر أعصاب الوالدة وكل من كان يحيط بي ويرغب في معرفة تفاصيل ما جرى.

تزوج خالي للمرة الرابعة، تكفلت الوالدة بكل شيء، فقد كانت تعرف العروس الجديدة جيدا، مطلقة وأم لطفل في مثل سني، كانت تزور أختها التي كانت من أعز صديقات والدتي، تسكن بجوار بيتنا وكانت تخصنا نحن الأطفال بمودة ورأفة وحنو لأنها لم ترزق أبناء، كنا نناديها حبيبتي. جاءت العروس إلى البيت وأقيم لها حفل بسيط، ذبح الخال خروفا عند استقبالها وأقيمت وليمة على شرف من رافقها، وهم من معرفنا بالجوار. كان الخال مزهوا يحاول اشراك الجميع فرحته. لكن ما لبتت الأمور أن استعصت، فالزوجة الجديدة لم تتحمل سلطة الوالدة والعيش وفق ما تراه وما يجب أن يكون، فغادرت البيت بعد سنتين من الزواج تقريبا، تحمل معها صغيرتها في شهورها الأولى. شب الخلاف وتوترت العلاقة بعد أن اتهمها الخال بإتلاف بعض أوراقه الخاصة، فسحب منها ما كان بحوزتها من قطع ذهبية وحلي حتى يرغمها على إعادة ما أخفته عنه ويرتبط بمصلحة من مصالحه. غادرت زوجة الخال البيت وأصرت على الطلاق، لم تقو أختها على اقناعها بأن تعيد الأوراق لتستعيد مجوهراتها. استغرق النزاع بينهما مدة لم يقو الخال على العيش لوحده، فتزوج للمرة الخامسة وظل يطالب الزوجة الغاضبة بالعودة إلى بيت الزوجية. زوجته الخامسة كانت أصغر من ابنه البكر، حملها على ظهره وهو يدخلها إلى البيت لأول مرة، لم يقم احتفالا بالمناسبة، بل اكتفى بما قدمه لوالدتها الأرملة من هدايا لإعلان زواجهما. لأول مرة لم تحضر الوالدة مراسيم القران. عاشت بيننا في وئام لم تظهر يوما تضايقا من سلطة الوالدة ولا كلت من مجاراتها في ترتيب شؤون البيت وتلبية كل الطلبات. أنجنب ابنها الأول وكان الخال يتردد بين بيتنا والبيت الذي أعده لزوجته التي أرغمها القضاء على الرجوع إلى بيت الزوجية، استسلمت مكتفية بشرط واحد أن لا تعود لذات البيت الذي يعج بصخب الأغيار وقد أصبحت أما لطفلتين.

نادرا ما رأيت الخال في جلسة خاصة مع والدي بل يتجنب التواصل معه ولا يبادله الكلام إلا لماما، بل أحيانا كان يقاطعه إذا ما شب خلاف بينه وبين الوالدة، كما كان لا يطيق دعواته المستمرة له لإقامة الصلاة ومرافقته إلى المسجد. إذ كانت إقامة الصلاة عند الوالد هي معيار الاستقامة ومقياس لربط علاقاته بالآخرين. ما رأيت يوما والدي في حوار مودة مع الخال بل مرت بيهم مرحلة قاطع فيها الخال الوالد على إثر سوء تفاهم كبير واقع بين الوالد والوالدة، امتنع الخال لمدة طويلة دخول بيتنا والاكتفاء بمقابلة الوالدة عند الباب الخارجي للمنزل.

أصبح للخال بيتان بعد عودة زوجته الغاضبة حيث أسكنها في جزء من الإسطبل الذي كان يملكه بضواحي الدارالبيضاء، والذي كان يرعى به أبقارا وأغناما، يساعده في ذلك راع وامرأة تستحلب الأبقار، بينما يشرف على توزيع المنتوج والتنقل بين الأسواق الأسبوعية الموجودة بالجهة، وهو العمل الذي كان يدر عليه

ما كان يزيد عن حاجاته المعيشية. لم يستطع الخال مواصلة الحياة الزوجية المزدوجة وقضاء الليل بين فراشين، أو ربما كان بتأثير من زوجته الثانية التي تعيش معنا بذات المنزل، التي كانت تسكن في نفس الدوار حيث يوجد الإسطبل. فكان أن قرر جمع الزوجتين في نفس البيت حيث عاشتا في وئام، وصاراتا تساعدانه في رعاية الماشية وكل الخدمات المرتبطة بها. لم يلبث أن أصبح البيت يعج بأطفال متقاربي الأعمار، أنجبت الزوجة الكبرى بنتين بينما أنجبت ضرتها أربعة أبناء ذكورا. فصار مجموع أبنائه تسعة، ثلاثة بنات وستة ذكور

ظلت علاقتي بالخال في مستواها المعتاد، بل زادت متانة بعد ما حققته من تميز في دراستي ثم التحاقي بسلك التعليم وعينت بضواحي مدينة برشيد وهي المنطقة التي شب فيها قبل ان ينتقل إلى الدارالبضاء. في هذه المرحلة اتسعت الدائرة الحضرية للمدينة وأصبحت الأراضي التي يستغلها في الرعي والزراعة جزا من المدار الحضري وخاضعا للتصميم المديري في توسيع احياء المدينة. ولأنه كان في علاقة جيدة مع الشركة التي تملك حق التصرف في تجزئة الأرض التي كلن يستغلها مقابل واجب سنوي، فقد جعلوه يختار البقعة الأرضية التي يرغب في ملكيتها. لم تكن به حاجة لذلك، فسجل البقعة الأرضية باسمي، واتصل بي يبشرني بذلك. حاول اقناعي برغبته الكبيرة في مساعدتي. كان علي فقط أن أوافق على ما أقدم عليه، وان أترك له الفرصة للمواصلة مبادرته، فقد أبدى استعداده لدفع المستحقات، وأنه سيكون بجانبي في كل المحطات اللاحقة ليصبح لي بيتي الخاص ثم أعد نفسي لزواج سعيد. فاجأه رفضي واستخفافي بما دعاني إليه، طوى الموضوع وتركني على هواي. والواقع أني في تلك المرحلة كنت أنظر إلى الملكية الخاصة بازدراء، ولا أرى في تملك قطعة أرض بعيدة عن وسط المدينة سوى طموح ذاتي محدود الآفاق. لم يكن لكل ذلك أي أثر في علاقتنا الوطيدة، اهتمامه الزائد بي واحترامي وتقديري لحدبه ودافق عطفه وحنانه. كنت أقرب إليه من أبنائه، لا يطيب له الحديث إلا معي. عندما بدأ الوهن يدب في جسده أصبحت سنده وحافظ سره، كف عن مواصلة أشغاله وما كان يعتمده لتدبير شؤون بيته. أخذ الأبناء على عاتقهم توفير ما كانوا في حاجة إليه. لم يظهر يوما حاجته لمساعدتي أو دعاني للتكفل بأمر من أموره. بل فاجأني يوما بأن قرر أن يكتب لي جزء من ملكيته للبيت الذي أصبح يأوي كل أبنائه. دعاني وقد تدهورت وضعيته الصحية وأخبرني بالقرار الذي اتخذه بأن يلحقني وأخي الأصغر مني بلائحة الورثة. مؤكدا على أنه يفكر في الكيفية التي تجعلنا نستفيد من البقعة الأرضية التي يملكها كأصحاب حق، وأنه كان فقط ينتظر قرار السلطات النهائي بمآل المنطقة بعد أن تقرر الحاقها بالمدار الحضري. تحامل على نفسه للتصديق على قرار تمكيننا من حق تملك جزء من البقعة الأرضية التي يملكها والتي اعتبرها هيبة حددها في مائة متر مربع. كان ذلك بحضور أحد بناته التي كانت أقرب أبنائه إليه. بدأ وضعه الصحي في تدهور فقد معه القدرة على الحركة والاعتماد الكلي على نقسه. زادت زيارتي لبيته لأطمئن على حاله وأحواله وأقتني كل ما يخصه من مستلزمات، لم يعد يقوى على الكلام، كنت انحني حتى اقترب من شفتيه لأتبين ما يطلبه او يوصيني به، همه الوحيد كان مصير بناته، طوقني بمسؤولية الوقوف الدائم بجانبهما إلى أن تتزوجا، وأن أصرف من ماله الذي أمنني عليه، في اقتناء كل مستلزمات الدفن والقيام بكل طقوس الوداع الأخير، وأن أسدد ديونه وكل ما كان بذمته في علاقته بالآخرين.

فارق الخال الحياة ذات صباح من شهر يوليوز، هرعت إلى بيته حتى أقوم بكل ما أوصاني به. سلمت أكبر بناته ما يمكنها من اقتناء كل ما تحتاجه زوجتاه من لوازم تقبل العزاء. في أجواء العزاء اكتشفت جوانب أخرى في شخصية الخال، الحزن البالغ الذي اظهره الجيران وأصدقاؤه الذين جاءوا من مناطق خارج المدينة، كانت تربطه بهم معاملات في مجال تربية المواشي وتسويق منتجاتها. استقبلت بحفاوة أحدهم كان الخال يذكرني بالعلاقة التي كانت تربطه به، لأنه كان شريكا له في بيع وشراء المواشي. استقبلته لحظة وصوله لتقديم واجب العزاء، وفاجأته بأن بلغته أن الخال أوصاني أن أسلمه مبلغا من المال كان بذمته، أقسم وهو يشد على يدي بحرارة، بأنه لا علم له بأن الفقيد كان مدينا له بأي مبلغ من المال. أكدت له أن الخال أوصاني بأن أسلمه مبلغ عشرين ألف درهم كدين مستحق بقي بذمته، كان ينتظر فقط الفرصة ليسلمه إياه. ما إن انتهت مراسيم الدفن واكتملت طقوس العزاء في يومها الأول، سلمت صديق الخال نصف المبلغ وتواعدنا على أن أسلمه النصف الثاني عند حضوره لمراسيم مرور أربعين يوما على الوفاة، وكذلك كان. تسلم مني المبلغ وأشياء في صدره تمور، وحين استعاد أنفاسه أخذ يسرد بكثير من التفاصيل، طبيعة ما كان يجمعهما في علاقة دامت لأكثر من عقدين، استفاد كل منهما من خدمات الآخر وعلاقاته.

كان الخال معروفا في أوساط مربي المواشي بالاستقامة واحترام تعهداته. يفض النزاعات بحكمة بالغة. على ضمانته تتم عمليات البيع والشراء، يكتفي البائع بما يقره الخال وحتى ولو لم يتسلم كل المبلغ المطلوب أو المتفق عليه. كان الصديق يكفكف دموعه بين لحظة وأخرى، ويعود إلى التنويه بالخال وخصاله. لم يكن كل ذلك ليضيف شيئا لقناعتي كشاهد منذ الطفولة على استقامة ونبل رجل لم يكن يتوان في تقديم خدماته لكل أفراد العائلة صغارها وكبارها، مساهمته في إقامة الأفراح كوقوفه بكل كرمه في كل لحظات المرض والوفاة. أقام حفلا باذخا لمدة أسبوع بعد إطلاق سراحي من اعتقال دام عشر سنوات. في اليوم الثاني من الافراج عني أحضر عجلا وكل ما يلزم لإقامة الولائم والرفع من إيقاع الاحتفاء بعودة كان ينتظرها بشغف بعد فراق دام لسنوات. مدة جسد خلالها كل معاني الدعم والمؤازرة، كان السند الثابت للوالدة يمدها بكل ما يلزمها لتواظب على زيارتي حيث ما حللت ورحلت خلال مدة الاعتقال.

لا أدعي أني كنت وفيا لوصاياه، ولا لكل ما عاهدت نفسي أن أخلد به ذكراه. أخذتني الحياة في مجرياتها واكتفيت بالدعاء له والحسرة على فراقه كلما راودتني لحظة استعيد فيها بعضا من جميل ذكراه.

أحمد حبشي

 2024 ماي

احمد_حبشي_رفقة_أخته_Raoudnews_mostafa.jpeg مسارات مشتركة
احمد_حبشي_رفقة_أخته_Raoudnews_mostafa.jpeg مسارات مشتركة

Comments are closed.