أكلة لا كوبانا-Raoud news- mostafa raoud-image-quinoa

“لا كوبانا” المكسوة بسحر الإيديولوجية

بقلم: المصطفى روض

كانت معدتي  محظوظة و هي تلتهم أطباقا لذيذة في كطالونيا مغايرة تماما عن أطباق بلدي الأصلي، و كانت تغريني أنواعا مختلفة من وجبات الطبخ في هذا الإقليم شمال غرب إسبانيا المحاذي لجنوب شرق فرنسا، بالطبع كان ذلك في السنوات الأخيرة من حكم نظام فرانكو الديكتاتوري (1973 – 1975)، و هي فترة كنت فيها متلهفا على معرفة هذه الوجبات التي لا توجد في بيئتي الأصلية و مهووسا ليس فقط بتذوقها و أكلها في المطاعم التي كانت تسمح لي ظروف الهجرة على التردد عليها، و إنما، كذلك، و هذا هو الأهم، اكتشاف أسرار إعداد كل وجبة على حدة طعما و تقنية بما في ذلك  المكونات التي تحتاجها، لكي تستقيم و تنضج وفق أصول طبخها.

و كل هذا الهوس في تلك السنوات قادني إلى اكتشاف أول وجبة كان اسمها يسحرني و هي أكلة لذيذة و بسيطة جدا يسمونها “لا كوبانا”، إعدادها يعتمد على مكونات بسيطة لا تحتاج إلى وقت طويل و لا إلى خبرة معقدة يتوفر عليها فقط محترفي الطبخ، بل أن إعدادها أسرع و أسهل من العديد من الوجبات.

إذن، هذه الأكلة التي يوحي اسمها بأنها كوبية يحتاج تحضيرها إلى مكونين أساسيين، و هما الرز و البيض المقلي، أي أن إعداد الرز بالطريقة الملائمة في وقت وجيز، يكون كافيا للمرور إلى قلي البيض، حيث يحتاج الصحن الواحد، عند ملئه بكمية الرز الكافية لشخص واحد و المعدة في الماء أو البخار، توضع فوقها بيضتين مقليتين، و الأفضل أن يتم قليهما بزيت الزيتون لكي تكون الوجبة صحية و مفيدة، و من له حساسية في قلي البيض بالزيت، بإمكان قليه بتقنية الماء الساخن بعد إفراغ البيض من قشوره و وضعه في الماء حيث يتم إنضاجه بسرعة.

هذه هي الأكلة المسماة “لا كوبانا”، كنت قد اكتشفتها بالصدفة في البدايات الأولى من وصولي إلى بارشلونة، إذ كلما حان وقت الغذاء، في ظرف كانت فيه الإمكانيات المادية قليلة، كنت أتوجه إلى بعض المطاعم الاقتصادية في الحي الصيني، لأتناول هذه الوجبة التي تيقنت منذ أكلتها أول مرة أنها كافية لإطفاء الجوع و الاستجابة لشهية  اللحظة من لحظات الهجرة في منطقة كطلونيا.

الانتقال إلى إعداد وجبة “لا كوبانا” بعد أن أصبحت من أكلتها، بدأت في تجريب طريقة إعدادها في مكان الإقامة بعد أن تيقنت من أن طعمها لذيذ، و  كوجبة كان اسمها يغريني، حيث كلما دخلت مطعما شعبيا، كان ينقل العامل في المطعم طلبي إلى داخل المطبخ بصوت مرتفع “لا كوبانا!” معتقدا أنها أكلة كوبية، و هو الصوت الذي كان يخاطب في أحاسيسي ذلك الشاب (20 سنة) المهووس ب “الثورة الكوبية” و  بقصص حرب العصابات التي كانت تأتينا من بعيد مع قليل من نظريات تشي غيفارا حول هذه الحرب التي حلمت بممارسة فنونها لتحقيق ثورة كنت أحلم بها من دون أن أعرف الكيفية التي يمكن أن تتحقق بها.

لقد ارتبط اكتشافي بوجبة “لا كوبانا” بمرحلة كان غير مسموح فيها للأحزاب بممارسة أنشطتها و تعبيراتها السياسية، و مع ذلك كانت ساحة “لاس رامبلاس”، التي تمارس فيها أنواع من الحلقة و الغناء و الرقص خصوصا الممارس من قبل فنانين من أمريكا اللاتينية، تظهر، بين الفينة و الأخرى، علامات و مؤشرات على مستوى الوعي السياسي للمجتمع و طبيعته التقدمية، ففي أحد الأيام و أنا أعبر وسط الساحة المذكورة” في اتجاه أحد المطاعم من أجل أكل وجبة “لا كوبانا”، شد انتباهي فنان تشكيلي كان قد انتهى للتو من رسم وجه تشي غيفارا في قطعة خشبية صغيرة الحجم، تمعنت فيها و كانت رأس غيفارا تظهر معتمرة بيري و عليها نجمة حمراء، و كنت مسرورا بهذه الصدفة الغريبة، و تركته بعد أن انطلق في رسم لوحة ثانية لوجه الثائر غيفارا الذي كان في ذلك الوقت من أشهر الشخصيات الثورية في العالم، غير أن سروري سيكبر أكثر عندما انتهيت من التهام وجبتي البسيطة في أحد المطاعم القريبة من الساحة، إذ عدت إلى نفس المكان، لكي أفاجأ بطابور طويل من النساء ينتظرن دورهن من أجل اقتناء لوحة تشي غيفارا، و بعضهن كنا يحملن مقتنيات من الخضر و الفواكه و اللحوم و يتحملن ضغط الوقت لأن الفنان باع اللوحات التي تمكن من رسمها، و هو يواصل رسم المزيد من اللوحات حيث يتم الاستجابة لهن و بيعها وفق هذا الإيقاع، فيما النساء متسلحات بالصبر حيث لا يمكن أن يرتحن إلا بعد الحصول على لوحة الثائر غيفارا.

يتبع

Tags: No tags

Comments are closed.