relacion_portugal_marocraoudnews_mostafa.jpg المغرب في شطرنج

المغرب في “شطرنج” أكبر التغيرات السياسية بالبرتغال

قضية الصحراء ومونديال 2030 في ميزان الحكومة الجديدة ونهاية الثنائية الحزبية وصعود نجم اليمين الشعبوي المتشدد

  بقلم: توفيق سليمان

التطورات السياسية في الايام والساعات الاخيرة في بلاد البرتغال تستحق منا المتابعة والتحليل. التركيز على المستجدات السياسية والكروية في بلاد قشتالة (اسبانيا) لا ينبغي أن يحجب عنا ما يجري في بلاد البرطقيز.

صحيح أن أسبانيا أقرب إلينا وأكثر ارتباطا بالمغرب، لكن التغيرات الجيوسياسية السريعة العالمية والإقليمية ، بما فيها الجيوسياسي الكروي، تجعل التحولات السياسية، التي عرفتها البرتغال منذ يوم الاحد، ١٠ مارس الجاري، ذات أهمية كبيرة.

نهاية الثنائية الحزبية

متابعة ما يجري في البرتغال يفرض نفسه علينا اليوم أكثر من أي وقت مضى بحكم التنظيم المشترك لكأس العالم 2030 بين المغرب واسبانيا والبرتغال. علاوة على أهمية البرتغال في دعم الطرح المغربي لحل نزاع الصحراء، خاصة إذا علمنا أن الامين العام للأمم المتحدة، انطونيو غوتيريس، ينحدر من البرتغال.

ما استجد اليوم في البرتغال هو أشبه بما تعيشه اسبانيا منذ الانتخابات العامة سنة 2016 التي أعلنت نهاية الثنائية الحزبية. حزبان صغيران، “بوديموس” و”مواطنون” كانا دخلا حينذاك على المشهد السياسي الاسباني بقوة. بوديموس، اليسار الجذري، أكل في مائدة الحزب الاشتراكي الاسباني، و”مواطنون” أكل في مائدة الحزب الشعبي، وكان قضم كذلك من كعكة الاشتراكيين. بعدها ظهر حزب فوكس، اليميني المتشدد، بقوة. اختفى بوديموس وحل محله سومار Sumar، وأعلنوا وفاة “مواطنون” وخلفه فوكس، ولو أن فوكس لم يقم على أنقاض مواطنون بل كبر بسبب النزعة الشعبوية التي تجتاح العالم وأوروبا.

نفس الشيء يحدث اليوم في البرتغال. بعد نصف قرن (٥٠ عاما) من الثنائية الحزبية، اي منذ سقوط الديكتاتورية في 1974، بزغت التعددية الحزبية. قد تكون هذه التعددية الحزبية معيبة بسبب بروز حزب شيغا Chega، اليميني المتطرف، لكنها الديموقراطية. فحتى الحزب الاشتراكي البرتغالي اعترف بالهزيمة وأرجعها إلى سخط وغضب المواطن وليس إلى قوة في النزعة الشعبوية اليمينية.

ساد التداول في الحكم ببلاد البرتغال بين الحزب الاشتراكي PS والحزب الاجتماعي الديمقراطي PSD ذي التوجه اليميني المحافظ لعقود. PSD يعتبر حزب اليمين الوسط، وهو قريب من الحزب الشعبي الاسباني، ومن عائلة الحزب الشعبي الاوروبي. فيما الحزب الاشتراكي البرتغالي قريب من نظيره الاسباني، وينتمي إلى الاسرة الاشتراكية الأوروبية والعالمية.

ماذا حدث؟ في 2019 أسس السياسي اليميني البرتغالي الشاب اندري بينتورا Andre Ventura حزبا سياسيا سماه Chega. خاض به الانتخابات التشريعية في نفس السنة، وحصل على مقعد برلماني واحد ووحيد. حزب مقرب من فوكس وترامب وبولسونارو، ينتمي إلى أسرة النزعة الشعبوية العالمية التي يرعاها ترامب. في الانتخابات التشريعية سنة 2022 سترتفع شعبية شيغا وسيحصل على 12 مقعدا. كل التوقعات واستطلاعات الرأي كانت تحذر من الصعود الصاروخي لهذا الحزب. وفي الانتخابات الاخيرة حصل على 50 مقعدا، ويعد بالحصول على الأغلبية المطلقة في الانتخابات التشريعية المقبلة.ضربة موجعل للحزب الاشتراكي

ضربة موجعة للحزب الاشتراكي

لفهم السياق الحالي، يجب التأكيد على أنّ الحزب الاشتراكي البرتغالي بزعامة المخضرم انطونيو كوستا كان يحكم منذ سنة 2015. بعد 9 سنوات في رئاسة الحكومة البرتغالية، سقط الحزب الاشتراكي. كان أنطونيو كوستا دعا إلى انتخابات مبكرة في نونبر الماضي بعد الاشتباه في تورط مقربين منه في قضايا فساد. كانت ضربة موجعة للحزب الاشتراكي الذي كان يرغب في استكمال تنزيل مشاريع مهمة مثل ملف الترشح الثلاثي بين المغرب واسبانيا والبرتغال لاستضافة كأس العالم 2030.

اجريت الانتخابات يوم 10 مارس الجاري. فاز بها ائتلاف التحالف الديمقراطي بزعامة الحزب الاجتماعي الديمقراطي المحافظ ب80 مقعدا برلمانيا، متبوعا بالحزب الاشتراكي ب78 مقعدا، واليميني تشيغا chega ب50 مقعدا، فيما المقاعد 22 الباقية ذهب ذات اليمين والشمال والوسط والخضر والليبراليين، لكن لا تؤثر في المشهد بعد الفوز الواضح لليمين ب 130 مقعدا ، اي 14 مقعدا فوق الأغلبية المطلقة (216 من اصل 230 مقعدا في الجمعية العامة). صحيح أن الحزب الاشتراكي قريب في الأصوات والمقاعد من المتصدر، ولكن ذلك لا يمنعنا من الحديث عن الخسارة يعد أن ضاعت من مقاعد كبيرة.

المعارضة محطة ضرورية لمعالجة النواقص

فجر اليوم استقبل رئيس البرتغال، مارسيلو ريبيلو ذي سوزا، زعيم الحزب الاجتماعي الديمقراطي، لويس مونتينيغرو، وبالمناسبة ينتميان لنفس الحزب، وكلفه بتشكيل الحكومة. بلاغ الرئاسة البرتغالية يشير إلى أن تكليف مونتينيغرو جاء بناء على نتائج الانتخابات والمشاورات مع زعماء الاحزاب، وكذلك اعتراف الحزب الاشتراكي بالهزيمة ورغبته في قيادة المعارضة. وهي عبرة ايضا للأحزاب اليسارية، وكل الاحزاب، عامة. المعارضة محطة ضرورية لمعالجة النواقص والأعطاب وترميم الصفوف والبناء من جديد للعودة إلى الحكم.

هل ستتغير السياسة الخارجية لدولة البرتغال بهذه المستجدات السياسية؟ هل ستتغير نظرتها ومقاربتها لموضوع المغرب وقضية الصحراء؟ هل سيتأثر ملف ترشح المغرب واسبانيا والبرتغال لاستضافة كأس العالم 2030 بهذا التغيير السياسي؟

من منظوري الخاص وبناء على ما سلف، لا أعتقد أنّ تتغير الحركة والسياسة الخارجية لدولة البرتغال تجاه المغرب ونزاع الصحراء. كما أن دعم الحكومة الجديدة للترشح المشترك 2030 سيستمر، لكن ربما يكون وفق قواعد جديدة. لا يمكن أن نتصور حكومة يمينية جديدة مضغوطة من قبل حزب يميني متشدد Chega تزكي كل ما صادقت عليه الحكومة المنتهية ولايتها بخصوص مونديال 2030.

اذا كانت الحكومة السابقة اختارت أن تلعب البرتغال دورا ثانوياً في الترشح الثلاثي المغربي الايبيري لمونديال 2030، فإن الحكومة الجديدة اليمينية ستكون أكثر استحياء، وبذلك سنكون أمام حضور ثانوي للبرتغال سواء من حيث الملاعب/ مقرات، او الاستثمار او التحركات الدبلوماسية والرياضية. وهذا من شأنه أن يحفز المغرب على لعب دورا رياديا في ظل الفضائح والمشاكل والتحقيقات والاتهامات والاعتقالات التي تعرف كرة القدم الاسبانية.

الشراكة الاستراتيجية النموذجية بين الرباط و لشبونة

وبالنسبة للعلاقات المغربية البرتغالية فإنها لن تتأثر بالتغيرات الحالية ما دام هناك مارسيلو ريبيلو دي سوسوا في منصب رئيس دولة البرتغال الذي يشغله منذ 2016. وبما أن رئيس الحكومة الجديدة هو من نفس حزب رئيس الدولة، فلا خوف على الشراكة الاستراتيجية النموذجية بين الرباط ولشبونة  التي اعتمدت في شهر ماي 2023 خلال الزيارة التي قام بها وفد مغربي برئاسة عزيز أخنوش، رئيس الحكومة، الى لشبونة، حيث استقبله أنطونيو كوسطا، رئيس الوزراء البرتغالي السابق، و مارسيلو ريبيلو ذي سوزا، رئيس الجمهورية.

الوفد المغربي كان نزل بلاد البرطقيز للمشاركة في أشغال الاجتماع رفيع المستوى الـ14 الذي انعقد تحت شعار” المغرب-البرتغال: تأكيد على شراكة استراتيجية نموذجية”.

يسعى البلدان إلى الارتقاء بمستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة بينهما، على أساس معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون الموقعة بين البلدين في ماي 1994. كما أن البرتغال تعتبر من الدول الأوروبية الداعم  للمبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها الألية الجدية والموثوقة من أجل حل النزاع.

بناء على ما سبق، تغير الحكومة في البرتغال وصعود اليمين المتطرف بقوة لن يغيرا الموقف الإيجابي للدولة البرتغالية تجاه المغرب ومصالحه الاستراتيجية، لكن قد تتغير بعض الحسابات الجزئية تجاه بعض العلاقات القطاعية، بما فيها دور البرتغال في الترشح الثلاثي لتنظيم كأس العالم 2030 بين المغرب واسبانيا والبرتغال.

Comments are closed.